التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما هي العوامل التي أدت إلى تفكك وانهيار الحضارات القديمة؟

 

الحضارات

ما هي عوامل نشأة الحضارات وتقدم الأمم؟

لماذا تنهار الحضارات وتتخلف الأمم ‏و لا يبقى منها سوى أحجار وتماثيل وبقايا مطمورة تحت الأرض ‏أو معروضة في المتاحف والقصور؟

هذا سؤال مطروح منذ زمنا طويلا على مائدة البحث من قبل ‏المؤرخين والفلاسفة والمفكرين وأصحاب الرأي أملا في الحصول على ‏إجابة شافية له. وقد أسفرت قريحتهم عن نظريات أنثروبولوجية (أي: ‏علم ‏الانسان) واجتماعية، ذات خلفيات دينية وهويات ثقافية وتوجهات حضارية متنوعة إجابة لهذا السؤال. وأن ملخص هذه النظريات هو: أنه ‏لكي نفهم سبب إنهيار الحضارات وتخلف الأمم ‏لابدّ من التأمل في عوامل نشأة الحضارات وتقدم الأمم وإزدهارها. ‏فعوامل النشأة والإزدهار إذا ما ظلت قائمة، لا تتجاوزها الأمة، ‏قادتها إلى تجنب الانهيار والتخلف.‏

وقد حصروا هذه العوامل في القيم. ‏والعامل الديمغرافي (السكان). والفائض في الغذاء. و ‏الحكومة المركزية القوية. والوحدة الدينية والثقافية. وتقسيم العمل (جودة الأداء الإداري). و طبيعة السياسة الضريبية. وانعدام ‏المساوة وحكم الأقلية. والتغيرات المناخية. وقالوا أن ‏هذه العوامل مجتمعة تترابط فيما بينها ترابط أعضاء الجسد الواحد. ‏حيث أن أي خلل أو هبوط يُصيب إحداها قد يُسبب خللاً أو هبوطا في‏ العوامل الأخرى. مما يؤدي إلى انهيار الحضارة وتخلف الأمة..‏

الشيء المضحك المبكي، أنه وعلى الرغم من أن عوامل ازدهار ‏الحضارات وتقدم الأمم تتمليء بها أحشاء الكتب. ويطرحها المؤرخون ‏والمفكرون ليل نهار في كتبهم ومقالتهم وفي ندواتهم ‏ومؤتمراتهم وفي أحاديثهم المسموعة والمرئية وعلى صفحات ‏التواصل الاجتماعي هناك طائفة مما تبتلى بهم الأمم وممن يتبعهم ‏حذو القذة بالقذة اهمتهم أنفسهم، يعميها هواها. فلاترى في ‏بقايا حضارات الماضي إلا إبداعا، ومقدرة، وعبقرية. دون النظر في ‏أسباب انهيارها وتفككها. وذهاب مجدها وعزها. فتتعلم منه كيف ‏تتجنب مصيرهم وسوء حالهم. وهوانهم على الأمم. وقد تصاب الأمة ‏بطائفة أخري لا ترى من بقايا حضارات الماضي سوى مصدرا لجذب ‏سائحا من هنا أو من هناك. ينفق على كسلهم، وعجز همتهم. دون ‏حتى الوعي بقيمهم الثقافية والاخلاقيه والحفاظ عليها عضا ‏بالنواجز.‏

فما قيمة أمة يتنازع اهلها هويات مختلفة، متنافرة، لايجمعها جامع. ‏هوية عشوائية..لا تختلف كثيرا عن حياتهم المادية والمعنوية. ‏وطائف ثالثة، تتمسح بالماضي وتتغنى به ليل نهار. كلاما لا يكلف ‏مجهودا أو تفكيرا أو سعيا واجتهادا وضربا في الأرض. كلام لا يصنع ‏إلا وهما. يرى الأخر يتقدم رخاء لشعبه، ومكانة بين الأمم. فلا تتحرك ‏له نخوة، ولا تنتفض له كرامة.‏

لا ينكر على أمة أن تتغنى بماضيها كيفما تشاء. وأن تستفيد منه ‏أيما استفادة. لكن أين الحاضر والمستقبل من أدبياتها. الذين يغرقون ‏في الماضي دون العمل للحاضر والمستقبل موتى. أو كما يقول ‏المثل الشعبي: "القرعة بتتباهى بشعر بنت اختها" أو إذا شئت قل ‏بشعر جدتها.‏

ما هي أسباب انهيار الحضارات وتخلف الأمم؟

- القيم

يعتبر انهيار منظومة القيم بكل أنواعها أخلاقية وشخصية واقتصادية ‏وفكرية واجتماعيه وغيرها بأي أمة من الأمم سبب فشلها في التعاطي مع ما يوجهها من تحديات مادية أو اجتماعية. ‏وبالتالي فقدناها القدرة الذاتية على الإبداع والابتكار والتحديث والتطوير. وصولاً إلى مرحلة العجز. ومن ثَمَّ مواجهة المصير المحتوم. ويؤكد هذا الانهيار التدريجي بمراحله المتتابعة والمتعانقة والمتداخلة ‏والمتشابكة. ما أكده ‏مؤسس علم الاجتماع المؤرخ العلاَّمة ابن خلدون في كتابه "المقدمة"‏. إذ ‏يقول: "إن غاية العُمران، هي الحضارة، والترف، وإنه إذا بلغ غايته. انقلب إلى الفساد وأخذ في الهرم. كالأعمار الطبيعية للحيوانات. بل نقول: "إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة، والترف، هي أصلُ الفساد"! وقد‏ حذا حذو ابن خلدون ‏كثيرا من المؤرخين من بعده. فمنهم من راى "أن الحضارات إنما تصعد‏ وتنهض. استجابة لتحديات محدَّدة سواء كانت هذه التحديات مادية أو اجتماعية. وعندما تعجز هذه الحضارة عن الاستجابة للتحديات التي تواجهها. فإنها تدخل في مرحلة الانهيار. مشددًا على أن الأمم والحضارات تموت أساسًا. بسبب عوامل داخلية، وفي القلب من هذه العوامل. انهيار منظومة قيمها الأخلاقية. وأوجز هذه القضية في عبارة بليغة: "إن الحضارات لا تموت قتلاً؛ وإنما انتحارًا"!. ‏فالعوامل الدينية والقيمية والأخلاقية تشكل عصب استمرار الحضارات. ‏والابتعاد عن هذه العوامل يؤدي إلى تفسخ ‏المجتمع وانهيار حضارته. ويؤكد هذا المعني حديثا ‏ميخائيل غورباتشوف في كتابه: بيريسترويكا (إعادة البناء). إذ يقول: ‏‏"أن أخطر ما يهدِّد مسيرة البشر؛ هو اختلال الأداء الحضاري، واهتزاز العلاقة بين الإبداع والأداء القيمي السلوكي. ويستطرد قائلا ‏‏"رغم الانتصارات العلمية والتقنية؛ التي حققنها (يقصد الاتحاد ‏السوفيتي). إلا أن ‏التدهور التدريجي في قيم شعبنا الأيديولوجية والمعنوية، وسريان ‏الفساد في الأخلاقيات العامة" كان السبب الرئيس في الإنهيار ‏الكامل، والتفكك السريع للبلاد. ويواصل حديثه في هذا الشأن ‏فيقول: "مهمتنا اليوم أن نرفع روح الفرد، ونحترم عامله الداخلي، ونعطيه قوة معنوية. ليكون مستقيمًا، حي الضمير"! وحي الضمير هنا تعني منظومة القيم الدينية السامية والإنسانية الراقية والأخلاقية الرفيعة. روح الحضارات وسر ديمومتها وازدهارها.‏

ومن أعظم القيم الأخلاقية التي بها ترقى الأمم، وتستمر الحضارات ‏نهرا يتدفق وعطاء لا ينقطع الصدق. فانتشار الكذب والفسوق يؤدن ‏بإنهيار الحضارات. ويدلل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى. "وَلَوۡ أَنَّ ‏أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰت مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ ‏وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ٩٦"، سورة الأعراف: 96. ‏وقوله سبحانه وتعالى. "وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا ‏فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرا١٦"، سورة الإسراء: ‏‏161. والكذب والفسوق هما الأشجار الخبيثة لكل ثمار التخلف ‏والانحطاط. وهما البرك والمستنقعات الأسنة لكل الأخلاق السيئة. ‏مثل: الحسد والشح، والنفاق، والظلم، والظن والتجسس والغيبة، ‏وعدم النهي عن المنكر، والرياء، ‏والاعتداء على المال العام وغيره من الأموال. والغيبة، والتهكم ‏والسخرية من الناس. وانتشار الكذب والفسوق في أي أمة أو حضارة، ‏مأله مجتمع متنافر، يكره بعضه بعضا، لا يجد الاحترام فيه مكان. ولا ‏يتواصا أهله بالمعروف ولا ينهي بعضهما بعضا عن المنكر. وقد تبحث ‏فيه عن التعاطف والتراحم والوفاء والإيثار وحب العمل والجد ‏والاجتهاد والرغبة في التطوير والإبداع وغيرهم من القيم النبيلة فلا ‏تعثر لهم على أثر. ولا تسمع عنهم إلا في الحكاوي والأساطير. ‏الحياة في مثل هذه المجتمع غابة. يحكمها منطق القوة والطغيان. ‏تخيل مجتمع هذا شأنه كيف يكون ساكنيه. إنهم سلبيون باردًوا ‏الاحساس. تصرفاتهم وسلوكهم احط من سلوك الحيوانات. كل ما ‏يقومون به من أقوال وافعال وباء ودمار على حياتهم وحياة اسرهم ‏وحياة المجتمع.‏

- العامل‎ ‎الديمجرافي (السكان)

يشكل العامل الديمجرافي على مر العصور ‏القوّة والنفوذ والتوسع والعظمة السياسية والاقتصادية. و ‏لولاه ما استطاعت الأمبراطوريات الضخمة أن تُجنّد أعداداً كبيرة من الجنود إثناء الحروب، واستعمار مناطق نفوذ جديدة، وإنتاج ما تحتاج ‏وزيادة. فإذا اختل العامل الديمجرافي بسبب الأمراض ‏الوبائية والإضطرابات الجيولوجية تهاوت الحضارات وأفل نجمها.‏

‏ وبالرغم من أن تاريخ الحضارات ينطق بأهمية العامل الديمجرافي. إلا ‏أنه هناك من يرى النمو الديمجرافي ‏عبء على التنمية الاقتصادية، وعلى رخاء المجتمع وما يقدم لأفراده ‏من خدمات. ويرى أن ‏تدني الأجور وسوء التعليم والخدمات الصحية عرض من أعراض النمو ‏الديمجرافي. وهؤلاء ممن أعجزهم الكسل عن العطاء. وضاقوا بالعدل ‏وحرية الناس. ونخر في بناءهم الفكري فيروس الجمود والتخلف ‏والاستبداد. ولو أنهم فقهوا قول الله سبحانه وتعالى، في معرض ‏امتنانه على قوم سيدنا شعيب بما اصبغ عليهم من نعم، من بينها ‏تكثير عددهم. إذا يقول سبحانه ‏وتعالى. "وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ٨٦، سورة الأعراف 86. في هذه الأيه يذكر الله ‏قوم سيدنا شعيب بذلك الزمن الذي كانوا فيه قليلي العدد، يخافون ‏أن يتخطفهم الناس من ‏حولهم. فمنى الله عليهم بأن جعلهم موفورى العدد. موفوري الأموال فيضا بين أيديهم. وذكرهم بأن رفعهم الله بهذه النعمة من الذلة والخساسة إلى العزة والإباء. فما كان يجب عليهم إلا أن يشكروا  على هذه النعمة باتبع أوامره، واجتناب نواهيه. لا في اتباع سبيل المفسدين، بالكفر بالنعمة. سبيل الضيق والأزمات، والعنت ونقص الأموال والثمرات.‏

ولقد حذت دول حذوا هؤلاء النفر الذي يرون أن الزيادة السكانية هي ‏أس البلاء. ‏فجحدوا بنعمة كثرة السكان. فانظر  كان عاقبتهم.وانظر كيف حالهم. وقد رجعوا إلى تشجيع النسل أذلة صاغرين، واسترضوا النساء حوافز ومنح ومساعدات. فهذه الصين ومثلها: روسيا، وصربيا، وبولندا، واليابان، وغيرهم من الدول. ماذا جنوا بعد أن قاموا بإجراءات قسرية لتقيد زيادة المواليد. قد يكون حققوا ‏انخفاض عدد المواليد الجدد، في باديء الأمر. لكن كان ثمن هذا الانخفاض في عدد السكان غاليا وباهظا. فقد كاد يعصف بدولهم. ويهدد حاضرهم ومستقبلهم. فقد وجدوا ارتفاعا واسعا في نِسَب الرجال ‏إلى النساء. حتى أن الرجال لن يجدوا من يتزوجوا من النساء. بسبب ‏حالات الإجهاض الكثيرة التى تقوم بها الأُسَر عند عِلْمها ‏بأن نوع ‏الجنين أنثى. وقد وجدوا أيضا انخفاضا في أعداد الأيدى العاملة. ‏وانخفاضا في معدلات الإنتاج. وتقلُّصا في الطاقات الشابَّة. ‏وتوقعوا إنهيار نظام التقاعد. مما قد يؤدي بالحكومات إلى رفع سن ‏التقاعد. وتباطء في النمو الاقتصادي. وزيادة في نسبة السكان من ‏الفئات العمرية كبيرة السن.وهو ما يثقل ‏كاهل الشاب الوحيد أو ‏الشابة فى الأُسْرة بأعباء رعاية أعداد من شيوخ العائلة. ‏وطفت على السطح ظاهرة الطفل المدلل، الذى يحصل على الرعاية ‏الفائقة وكل المتطلبات، فلا ينشأ ‏قادرًا على تحمُّل المسؤولية.‏

بعد أن اكتوت الدول بالنتائج المدمرة للتقيد القسري للسكان. نكصت ‏على عقبيها. و عادت ثانية ‏إلى وضع سياسات تشجع على زيادة النسل. فهذه دول أوربا الغربية ‏ومن بينها روسيا. أصدروا مجموعة من السياسات التي تشجع مواطنيها على الإنجاب. وتتضمن هذه السياسات تقديم مزايا مالية وإعفاءات ضريبية لمن ينجب عددا أكبر من الأطفال. وذلك لمواجهة التراجع ‏الديموجرافى الكبير.‏

فهذه الحكومة روسيا وضعت الأزمة الديموجرافية على رأس جدول ‏أعمالها. حيث قدمت مجموعة واسعة من الإعانات والحوافز المالية. ‏بما في ذلك إعانة أعلى للطفل. وإجازة أمومة أطول. وإعانات ‏للأمهات اللاتي يخترن عدم العودة إلى العمل. وفي الصين، تشجع ‏الحكومة على تمديد إجازة الأمومة. وتشجيع على إنجاب طفل ثانٍ ‏من خلال تقديم حوافز نقدية مباشرة أو إعفاءات ضريبية لبعض ‏الوقت. وفي بولندا وضعت استراتيجية لوقف هجرة ‏السكان، من خلال رصد مخصصات مالية شهرية لكل طفل. والحظرا ‏شبه الكامل على الإجهاض. وفي المجر، قدمت الحكومة المنح ‏والقروض السخية للعائلات لرفع معدلات الإنجاب. وفي صربيا تقدم ‏الحكومة الإعانات للأسر حديثة الزواج لمساعدتهم على شراء منزلهم ‏الأول في محاولة لزيادة معدل المواليد. هذا بالإضافة إلى دفع حافز ‏للطفل ‏الأول. وفي اليابان رفعت الدولة الدعم المخصص لرعاية الأطفال. ورفعت الأجور للعمال الأصغر سناً لتحفيزهم على الزواج والإنجاب.‏

زيادة الإنجاب هي الركن الركين في نشأة الحضارات وديمومتها. ‏وهي الدرع الواقي من التدهور الاقتصادي والاجتماعي والصحي. خاصة ‏في الدول المتخلفة، والتي بها نظم صحية، تعجز عن مواجهة ما ‏يتفشى بها من أمراض مثل مرض الإيدز في أفريقيا، ‏وما سببه من تراجع في عدد السكان. ولولا ارتفاع معدلات الخصوبة ‏بهذه ‏الدول، لتدهور عدد السكان بصورة لم يسبق لها مثيل. ولتعقدت ‏مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، والصحية أكثر مما هي معقدة. ‏بما لا تسطيع تحمله أو تواجهه.‏

لولا ما تذخر به الدول الفقيرة من موار بشرية تهاجر إلى الدول الغنية بحث عن العمل. ‏وطلبا للرزق، فتوفر لاقتصاد بلادها مورد رئيس من موارد النقد ‏الأجنبي. بدونه تنهار اقتصادباتها. وتنهار عملتها المحلية. ويرتفع ‏التضخم إلى عنان السماء. وتعجز قطاعات كثيرة من الناس عن توفير ‏الحد الأدني للحياة؟ وتنتشر الجريمة. وتقع الاضطرابات السياسية ‏والمجتمعية. ولكن مما يؤخذ على الهجرة بأعداد كبيرة للبحث عن ‏العمل خارج الحدود أنه قد يتسبب في نقص خطير في المواهب. و ‏قد يحدث أيضا أسرع حركة تراجع لعدد السكان. فغالبا ما تقتصر ‏الهجرة على أصحاب المواهب. فتفقد الأمة جزء مهم من عقلها ‏وفكرها. ومعرفتها ومهارتها. ولا يتبقى بها إلا أشباه المتعلمين. ‏وعتاة المنافقين ثمار عفنه وفي أحسن الأحيان ثمارا غير ناضحة لا ‏طعم لها ولا رائحة.‏

لم يكن التقييد القسري للسكان في يوم من الأيام قديما أو حديثا ‏هو السبيل الأمن للرخاء الاقتصادي. ‏فتجارب للأمم، والقراءة الوقعية للحضارات القديمة يؤكد أن الضمان ‏الوحيد والأكيد لرفْع مستوى عَيْش المواطنين هو: التعليم ‏النوعى ‏المميَّز؟ والتدريب الجيد على مهارات العصر وأدواته وتقنياته. ‏والخدمات الصحية والثقافية التوعوية. والتسهيلات التى ‏تُقدَّم ‏للتصنيع والمشروعات التى يقوم بها الأفراد. ‏ودعْمها ‏والتسويق لها. ووعي المواطن بقيمة ونوعية الطفل. ‏الذى ‏يجىء به للحياة. وأن يكفل له كل الوسائل التى ‏تجعله الأفضل من ‏حيث السواء النفسى. والقدرة على ‏العطاء والإضافة والمنافسة ‏أيضا.‏

- الفائض في الغذاء

‏ من اسباب قوة أي أمة من الأمم أو حضارة من الحضارات ما تحققه ‏من فائض غذائي, فهناك شبه إجماع على أن أزمة الغذاء لأي أمة من ‏الأمم تؤدي إلى ‏تنامي الاعتماد على المصادر الخارجية في توفير ‏احتياجاتها الغذائية. وتجعلها رهينة للابتزاز السياسي من الدول ‏المصدرة. وما يحدث اليوم بسبب الحرب الروسية الأوكرانية ليس ‏خافيا على احد. هاهي روسيا تستغل اتفاقية الحبوب الدولية - التي ‏تتيح لأوكرانيا تصدير ملاين الأطنان من القمح إلى الدول التي تعاني ‏عجز في إنتاج الحبوب - في تعزيز صادراتها من الغذاء والمخصّبات. ‏وفي غل يد الدول الغربية من فرض عقوبات على هذه الصادرات بسب ‏حربها على أوكرنيا. فأنظر كيف انسحبت روسيا من هذه الاتفاقية ‏عندما رأت أنها لا تحقق مصالحها. وما تبع هذا الانسحاب من ارتفاع ‏في أسعار الحبوب. وما سببه ذلك من مشاكل اقتصادية ومالية للدول ‏المستوردة. وأنظر كيف يسعى العالم متمثلا في الامم المتحد في ‏السعى لإبرام اتفاقية جديدة. تحقق مصالح كل من روسيا و أوكرانيا. ‏وتلبي احتيجات الدول الأخرى من الحبوب التي هي في أمس الحاجة ‏إليها لتحقيق أمنها الغذائي. وتهدئ من الاسعار العالمية. وما ‏تمثله من ضغواط على الموارد الشحيحة لهذه الدول من العملة ‏الصعبة.‏

فأي تدهور في معدلات الاكتفاء الذاتي من الغذاء لأي أمة من الأمم ‏أو حضارة من الحضارات خطرا على الأمن الغذائي الذي يمثل أحد ‏المكونات الأساسية ‏لأمنها القومي من منظوره الاقتصادي. فالأمن ‏الغذائي يعني قدرة المجتمع على تأمين احتياجاته ‏الاستهلاكية من ‏السلع الغذائية الأساسية بإنتاجها محليا أو باستيرادها من الأسواق ‏الغذائية العالمية التي تحتكرها مجموعة قليلة من الدول والشركات ‏المتعددة ‏الجنسية. وليس خافيا على أحد أن هذه الدول والشركات ‏تمتلك إمكانية التأثير في الأسواق العالمية. ولديها القدرة على ‏التحكم في أسعار السلع ‏الغذائية. واستخدام الغذاء كسلاح ضغط ‏وعقوبة لترويض الحكومات التي لاتسير في ركبها ولا تنهج نهجها ‏السياسي. ونتيجة لحساسية الغذاء ودوره في الاستقرار ‏السياسي ‏والاقتصادي. ليس أمام الدول المستوردة للمواد الغذائية مجال ‏للمناوارة أو المساومة.‏

‎‎‎وما من أمة تريد أن تتحرر سياسيا واقتصاديا. إلا وعليها أن تهتم  ‏بالتنمية الزراعية ضمن ‏مخططات التنمية، حتى تحقق الاكتفاء الذاتي ‏من المواد الغذائية. وألا يمنعها الاتجاه نحو التنمية الصناعية باعتباره ‏مرادفا للتقدم أو معبرا بالاقتصاد الوطني من حالة التخلف، ‏إلى ‏إهمال التنمية الزراعية. فتخلف التنمية الزراعية يعيق بدوره ‏تخلف مسيرة التنمية في القطاعات الأخرى. فالتنمية الزراعية يقع ‏عليها مسئولية توفير المنتجات الغذائية والمدخلات الوسيطة ‏للصناعات ‏التحويلية وخلق فرص العمل لفئات واسعة من السكان. ‏بالإضافة إلى المساهمة في توفير العملات الصعبة ‏وبالتالي تمويل ‏برامج التنمية. وألا يغيب عنها ايضا تجارب الأمم الأخرى. فما من ثورة ‏صناعية إلا وسبقها بعقود على الأقل ثورة خضراء أو زراعية كما حدث ‏في الصين واليابان.‏

ومن المستحيل حدوث ثورة خضراء أو زراعية، دون  التحرر من الهياكل ‏الإدارية والتنظيمية الحكومية. فهي سبب من أسباب عجز الأمة عن ‏تحقيق الأكتفاء الذاتي في المواد الغذائية. فسيطرة الدولة على ‏الإنتاج والتسويق، يكبل القطاع الزراعي بأغلال تحول بينه وبين ‏التطور والتقدم؟ كما تحول بينه وبين الاستخدام الأمثل للإمكانات ‏والموارد المتاحة. باتباع أساليب الري ‏العصرية والترشيد. ووضع الخطط ‏لمواجهة التصحر والجفاف والتعرية والتغيرات المناخية. والتوعية للحد ‏من ‏الاستنزاف اللاعقلاني للخيرات الطبيعية وتدمير البيئة. وقد يؤدي ‏أيضا إلى الهجرة الريفية إلى القطاعات الأخرى. هرب من تدني العائد ‏من الانتاج الزراعي. فالدافع الأساسي إلى تحسن أداء القطاع ‏الزراعي، أن يقتصر دور الدولة على وضع الخطط ‏ومتابعتها. ‏والإسهام في برامج التنمية الريفية. وتنفيذ مشروعات ‏البنية الأساسية الزراعية. وتطوير مراكز البحث والإرشاد ‏الزراعي؛ لإنتاج ‏سلالات جديدة عالية الإنتاج، وتحسين الإنتاجية. .‏

وسيكون ضربا من الخيل إحداث تطور في الزراعة، دون وقف التوسع ‏العمراني على حساب الأراضي الزراعية، مع وجود خطط اسكان واضحة ‏لمواجهة الزيادة السكانية.‏‎‎‎‎‏ فالأمم الحكيمة تضع من الخطط ‏والسياسات ما يضمن استغلال وحماية مواردهم بشكل أفضل لضمان ‏مستوى معيشة وكرامة أفضل ‏لمواطنيها. ويضمن توفير حاجياتها ‏الغذائية, ويحررها من التبعية الغذائية وما يتبعها من ضغوطات ‏سياسية واقتصادية. فما ظنك بمصير أمة تأكل ‏ما لا تزرع؟ وما ظنك ‏بحرية قرارها الاقتصادي والسياسي؟ وما ظنك بمن هو مربوط ‏بأمعائه قبل عنقه؟

- الوحدة‎ ‎الدينية‎ ‎والثقافية

الدين أحد العوامل الرئيسة التي وحدت الحضارات. فالدين منظومة ‏متكاملة من القيم والمباديء التي آمن بها واجتمع عليها شعوب ‏الأمم للتعامل مع معنى الوجود. وما كان الدين الإسلامي ‏إلا الركن الركنين في بناء الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل. وما ‏انحراف الخلافاء والولاة وبعدهم عن العقيدة، إلا السهم الأول الذي ‏أصاب الأمة الإسلامية في مقتل. وأوصلها إلى ما وصلت إليه، من ‏تشرذم وتفكك. وصير شعوبها شيعا وأحزابا يناصب بعضهم ‏البعض الشقاق والعداء.‏

كذلك، أسس المعتقد الواحد لشعوب هذه الحضارات القديمة ‏والحديثة على حد سواء أرضية، يتشاركون فيها قيما ثقافية واحدة ‏تعزز الثقة والإحترام بينهم، مما انعكس إيجابًا على المجتمعات. وما ‏بقيت أمة مواحدة، إلا وقد اجتمع أغلب سكانها على دين واحد. ‏فهذه المملكة المتحدة يعتقد أغلبية سكانها الدين المسيحي البروتستناتي، ‏مصدرا لقيمها الثقافية، ومعتقدهم الديني. وهذه ملكهم تشارلز ‏يجري مراسم تنصيبه ملكا في كاتدرائية وستمنستر، أخذا ‏البعد الديني في تنصيبها ملك، مكانة جوهرية. وها هو  يقسم إثناء ‏تنصيبه ملك الإخلاص لهذا الديني والمحافظة عليه. فيقول: "أنا، ‏تشارلز، أقف بإخلاص وبصدق أمام الله. وأشهد وأعلن أنني ‏بروتستانتي مخلص. وأنني وفقًا للقصد الحقيقي للتشريعات التي ‏تضمن الخلافة البروتستانتية على العرش. سوف أؤيد وأحافظ على ‏التشريعات المذكورة بأفضل ما في وسعي وفقًا للقانون". و ومثله ‏من النماذج الكثير والكثير شرقا وغربا.

للانقسام الديني دور مهم ‏في انهيار الحضارات. فقد انهارت ‏حضارة “أناسازي” التي تأسست في أميركا الشمالية في سنة 700 قبل الميلاد.وعاش في كنفها الهنود الحمر. ‏بسبب انقسم شعوب” أناسازي” بين من اتبّع”الانجيل الجديد” وهاجر جنوباً وبين من بقي على ديانته.‏

قديما وحديثا، ارتبطت السياسة بالدين بميثق غليظ. مهم حاول ‏البعض ممن يكرهون الأديان ولا يحملون لها في صدورهم إلا  الحقد ‏والبغض الإدعاء بالفصل بينهما. وما حدث في قبرص وانقسامها بين ‏قبرص اليونانية وقبرص التركية، فمرجعها الانقسام الديني بين ‏شطري الجزيرة. فقبرص التركية تدين بالدين الإسلامي، وقبرص ‏اليونانية تدين بالدين المسيحي الأرثوذكسي. وما نراه من شقاق ‏وتناحر في الهند في الماضي والحاضر هو الدين. وما نراها في ‏فلسطين والبوسنة والهرسك، وبورما إلا واقع يؤكد ارتباط الدين ‏بالسياسة. أما مقولة لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ‏فهي مقولة ساقطة لا يؤيدها واقع. ولا يوجد عليها دليل. إنما ‏يتشدق بها نفرا لا يسمعون إلا بإذن واحدة ولا يرون إلا بعين واحدة. ‏إذا كانوا يرون أو يسمعون. فهؤلاء يدندنون بكلمات حروفها ‏مفككة، وتشكيلها معوج، كلمات تقرأ وترى فيها النفاق الأصلع، ‏والكذب الأبرص.‏

وحديثا نرى ذلك كثيرا، وكان القادة السياسيون يعملون أيضًا كقادةٍ ‏دينيين. وفي حالاتٍ أخرى، شكل القادة الدينيون مصدر تأييد للقادة ‏السياسيين. ودعموا سلطتهم ونفوذهم في الحضارات. وساعد ‏التنظيم السياسي والديني على نشأة تسلسلات السلطة في ‏المجتمعات، التي رسمت حدودًا بين الأفراد والمجموعات. وفي نفس ‏الوقت الذي تولى فيه القادة السياسيون اتخاذ قراراتٍ ذاتٍ تأثيرٍ ‏شاملٍ على المجتمعات. اكتسب الزعماء الدينيون مكانة خاصة باعتبار ‏أنهم وحدهم الذين يقدرون على التواصل بين المجتمع والآلهة. وما ‏نراه في هذا الزمان من قسم رؤساء الدول على كتاب الله الذي ‏يدينون به إلا دليل قاطع، وبرهانا ساطع، على التزاوج بين الدين ‏والسياسة. وما قسم الرئيس الأمريكي السابق ترامب ومن قبله ومن ‏بعده على الإنجيل ليس عنا ببعيد. وما تؤكده؛ صحيفة ذي إندبندنت ‏البريطانية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحيط نفسه على الدوام ‏بمجموعة ضيقة من رجال الدين الإنجليين. يتعلم منهم ويخضع لتأثير ‏الدين؟

ومواجهة الانقسام الدين لا يكون إلا ببناء المجتمع على مجموعة من ‏القيم كالعدل والصدق والمساواة والرحمة والتكافل. وبالقضاء على ‏ظاهرة الاستبداد السياسي.؛ و بذل الجهد للقضاء على توظيف الدين ‏لخدمة الساسة, وتحرير المؤسسة الدينية من كل ما ينحرف برسالتها. ‏وتهيئة المناخ لرجال الدين ليقول كلمة حق تصلح الأمة, ولا تلقى ‏بالنار على جراحها، فتزداد ألما، وتذهب باعتصامها بحبل الله المتين.‏

- جودة الأداء الإداري

جودة الأداء الإداري أو ما يعرف بتقسيم العمل هو طريقة لتنظيم ‏الإنتاج وتقديم الخدمات. وتقضي هذه الطريقة بأن يتخصص كل فرد من أفراد الوحدة ‏الإنتاجية أو الخدمية في نشاط من أنشطة تصنيع المنتج أو تقديم ‏الخدمة.‏

يعتبر مفهوم تقسيم العمل واحد من أقدم المفاهيم فى العلوم ‏الاجتماعية، والتي تشير إلى التعاون بين الأفراد أو الجماعات فى أداء ‏عدد من الأنشطة المختلفة، ولكن المتكاملة، وتنتهي بمنتج ما. وهذا ‏المفهوم هو مكون رئيس في تحقيق جودة الأداء في الأيام ‏المعاصرة, ففي أي إدارة أو منظمة، أو هيئة أو شركة تنتج أو تقدم ‏خدمة ما، يقسم العمل بين افرادها، حتى تقدمه بما يلبي أو يزيد عن ‏رغبات المستفيدين.‏

مفهوم تقسيم العمل وتطبيقه مفهوم قديم. تزامنت نشأته مع ‏تخصيص الوظائف في بعض المدن ببلاد ما بين النهرين إثناء ‏الامبراطورية السومرية القديمة، وذلك مع زيادة النشاط التجاري ‏والاقتصادي. ومع بزوغ الحضارة المصرية القديمة التي قامت على ‏العمل الشاق سواء بالنسبة للفلاحة أو الصناعة التي كانت راقية ‏ومزدهرة. خاصة صناعة البرونز لإنتاج الأسلحة وصناعة الآجر والإسمنت ‏والزجاج والفخار والخشب والجلد والنسيج واستعمال الكمياء في ‏الصناعة. فكانت الفرق العاملة في هذه الصناعات تتكون من الرجال ‏الأحرار والعبيد والرقيق يشرف عليهم رئيسا يؤدي لأفرادها أجورهم.‏

وقد تطور مفهوم تقسيم العمل مع الزمن. فظهرت البدايات الأولى ‏لهذه المفهوم مع انتقال الانسان من البداوة إلى الرعي والزراعة. ‏وقد أدى هذا الانتقال إلى زيادة ووفرة في الإمدادات الغذائية، ‏وزيادة في عدد السكان، ودخول فئات جديدة من الحرفيين في مجال ‏العمل. ثم تعزز مفهوم تقسيم العمل أو التخصص من خلال عملية ‏التحول الصناعي. وقد أدى تقسيم العمل، بتحديد مهام فردية أو ‏محدودة للعمال إلى الاستغناء عن فترة التدريب الطويلة المطلوبة ‏لتدريب الحرفيين. ومع العولمة ظهرت وتوسعت التجارة الدولية على ‏أساس ‏الميزة النسبية. فالبلدان التي له ميزة نسبية في منتج ما. ‏وتقوم به على أفضل وجه وبأقل تكلفة نسبية مقارنة بالدول الأخرى. ‏تحوذ على الأفضلية لإنتاج هذا المنتج (وهو ما يعرف باختيار أفضل ‏الفرص البديلة). لكن دون إغفال المعايير التجارية، ‏التي تفضل بعض ‏البلدان على غيرها.‏

ويعبر تقسيم العمل عن تحديد مهام العمل لكل فرد في كل وحدة ‏من وحدات أي كيان إداري أو فني. وتحديد المسئوليات والصلاحيات ‏لكل مسئول من مسئولي هذه الوحدات في إطار مجموعة من ‏التشريعات؛ لانتظام العمل وأداءه على الوجه الذي يحقق الغاية من ‏إنشاء الكيان الإداري أو الفني. ويستلزم تقسم العمل أن يتقن كل ‏مسئول أو فرد للمعارف والمهارات التي يتطلبه العمل المنوط به. ‏ويتحلى بالقيم التي تمكنه من أداءه بكفاءة وتميز. وأن يداوم على ‏التعليم التدريب في تخصصه لاكتساب ما يستجد من مهارات ومعارف ‏وقيم جديدة وحديثة. ويرتبط تقسيم العمل بتحسين ما يقدم من ‏منتجات وخدمات، مما يقلل من الفاقد، ويساعد على الاستغلال ‏الأمثل للموارد. وزيادة انتاجية الفرد والمجتمع. وتطوير وتحسين ‏الاقتصاد الكلي. بما ينعكس إيجابيا على رخاء الفرد و المجتمع.‏

من بين المحاسن الكثيرة التي يتميز بها تقسيم العمل أنه يؤدي إلى ‏زيادة مهارة العامل وزيادة المهارة في أداء الأعمال، وذلك لتبسيط ‏الأعمال المطلوبـة. وتنظيم العمل بشكل أكفء من حيث التوقيت ‏والتتابـع والإشراف. وتوفير الوقت وتقليل الفاقد أثناء انتقال العامل ‏من عملية إلى أخرى. وتسهيل استخدام الآلة نتيجة لتقسيم العملية ‏الإنتاجية إلى عدة عمليات جزئية. مما يؤدي إلى إدخال تحسينات ‏مستمرة على عملية الإنتاج. تنتهي بزيادة الكفاءة الإنتاجية وزيادة ‏الإنتاج. لكن المبالغة في تقسيم العمل لها عيوب. مثل:‏ الملل من ‏تكرار نفس العمل الواحد. وفقد العامل إحساسه بنتيجة عملة لأنه ‏يقوم بعملية جزئية فقط على عكس الحرفي الذي يقوم بإنتاج ‏السلعة كلها.‏

وتزداد ثمرة تقسيم العمل بالعلم، والتخصص في شُعب المعرفة. ‏فالتخصص الدقيق في ‏شتى مناحي المعرفة يعمق من تقسيم ‏العمل و يزيد من تجويده ‏وإحسانه وبلوغ الثمرة المرجوة منه. واحترام ‏التخصص والخبرة. وتقديم أهل الخبرة والرسوخ ومكافئتهم ماديا ‏وأدبيا رافد رئيس من روافد التقدم والإزهار. وحائط صد للفساد الحبل ‏السري للتخلف. وتخصص دون إطلاق حرية الاجتهاد وتحريك العقول. ‏وتوسيع دائرة الرأي والتشاور والتفاكر والتحاور مع الذات والحوار مع ‏الآخر في إطار قيم المجتمع. نقش على الماء وحرث في الهواء. ‏فالأهتمام بالتخصص مع إطلاق حرية الاجتهاد و تشجيع الإبداع ‏يحرك ‏رواكد الأمة. ويطلق طاقاتها المعطلة ويثير فاعليتها. ويشحذ ‏همتها. ويذهب بغثائها ويثبت صوابها. وينقلها من موقع ‏التلقي ‏والأخذ إلى موقع المساهمة والعطاء الحضاري.‏

فن الطبيعي أنه كلما قلة فرص التعلم للعاملين قل رضاهم ‏الوظيفي. مما يؤدي بهم إلى التفكير في تغير وظائفهم. وكما هو ‏شائع في المؤسسات الناجحة التي يفضل أصحابها الشخصيات ‏المبدعة و المؤثرة ايجابيا من حيث السرعة والسلاسة داخل بيئة ‏العمل. فأنها تعمل على تدريب وصقل مهارات من يعملون بها. ‏فهناك في بعض الجامعات والمؤسسات قطاع للتدريب على المهارات ‏المهنية، بالإضافة إلى المهارات الأخرى. فالواقع والممارسة تقول أن ‏الرضا الوظيفي يرتبط بتطوير المهارات، والإغراق في التخصص، ‏وبدونهما ينخفض مستوى الأداء الوظيفي، وتقل أو تتدهور ‏الإنتاجية.‏

- السياسة الضريبية

أثبتت التجارب في كثير من الدول، أن الضرائب المرتفعة من ‏أهم العوامل التي أدت إلى إنهيار العديد من الحضارات القديمة، وانتشار القلاقل السياسية ‏والاجتماعية. وما امتناع أهل مصر عن دفع الضرائب وخروجهم إلى الشوارع يهتفون ‏‏"إيش تاخد من تفليسى يا برديسى" إلا ثورة على المماليك لفرضهم الضرائب الباهظة على الشعب. وانتهت ثورتهم هذه بالإطاحة ‏بالممليك.‏

النتيجة الطبيعة لارتفاع الضرائب تقلص القاعدة الضريبية؛ لأنها تقلل ‏من النشاط الاقتصادي. وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته، ‏قرأءة للواقع، وفهما لمسيرة الأمم السابقة. فقال ما نصه: "معدلات ‏الضرائب المرتفعة تقلص القاعدة الضريبية لأنها تقلل من النشاط ‏الاقتصادي". وقد قام على قول ابن خالدون وتجارب الأمم من بعده ‏ما بات يُعرف إلى يومنا هذا بـ "اقتصاديات جانب العرض". تلك الاقتصاديات التي تركز ‏على الحوافز والتخفيضات الضريبية وسيلة للنمو الاقتصادي.‏

وتطبيقا لـ"اقتصاديات جانب ‏العرض" تبنى الرئيس رونالد ريجان سياسة اقتصادية. وقام بواحدة من ‏أكبر التخفيضات الضريبية في التاريخ، ارتفعت على اثرها إيرادات ‏الضرائب السنوية للحكومة الفيدرالية بنسبة كبيرة اقتربت من ‏الخمسين بالمائة. ونتج عن هذا التخفيض ازدهر الاقتصاد. ‏وما يتبناه الاقتصاديون في العالم من أن هناك علاقة مفترضة بين ‏النشاط الاقتصادي ومعدل الضرائب. تشير هذه العلاقة إلى وجود ‏معدل ضريبي "مثالي" يزيد من إجمالي الإيرادات الضريبية للدولة. ‏وكلما زادت الضرائب عن هذا المعدل صار التأثير عكسياً فتقل بالمقابل ‏الإيرادات والتحصيلات.‏

يقول ابن خالدون: "اعلم أن الدولة تكون في أولها بدوية... قليلة ‏الحاجات لعدم الترف وعوائده، فيكون خرجها وإنفاقها قليلاً. ثم لا ‏تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف وعوائدها. فيكثر خراج أهل ‏الدولة ويكثر خراج السلطان خصوصاً كثرة بالغة. ولا تفي بذلك ‏الجباية فتحتاج الدولة إلى الزيادة في الجباية. فيستحدث صاحب ‏الدولة أنواعاً من الجباية يضر بها على البياعات ويفرض لها قدراً ‏معلوماً على الأثمان في الأسواق وعلى أعيان السلع في أموال ‏المدينة. وربما يزيد ذلك في أواخر الدولة زيادة بالغة فتكسد ‏الأسواق لفساد الآمال. ويؤذن ذلك باختلال العمران، ويعود على ‏الدولة، ولا يزال ذلك يتزايد إلى أن تضمحل". إذن، يؤدي فرضُ الضرائب ‏المرتفعة، بحسب ابن خلدون، إلى خنق النشاط الاقتصادي وقتل ‏حوافز العمل والاستثمار. ويؤدي آخر الأمر إلى انخفاض الإيرادات ‏الضريبية. نعم فأن الإيرادات الكافية ضرورية للحكومة للقيام بأدوارها ‏الرئيسة ودعم مواطنيها وضمان سريان القانون والنظام والاستقرار ‏السياسي. لكن المشكلة عندما تتعسف الدولة في فرض الضرائب، ‏ظناً منها أن ذلك سيؤمن مصدراً إضافياً يغطي العجوزات في ‏ميزانياتها. ‏

تؤدي الزيادة الكبيرة في الضرائب إلى زيادة معدلات التهرب الضريبي ‏وبالتالي نقص الحصيلة الضربية. و إلى هجرة العقول وبالتالي فقدان ‏دافعي الضرائب ذوي المهارات العالية والدخل المرتفع. كما يؤدي إلى دفع ‏المستثمرين إلى الهروب باستثماراتهم وبالتالي تقلص قاعدة دافعي ‏الضرائب، وانتشار البطالة. وتثبيط همم العمل عن المزيد من العمل ‏عندما يجدون أن مزيداً من الجهد منهم سيزيد من النسب المقتطعة ‏من أجورهم.‏

الضرائب المرتفعة هي العدو الأول للقطاع الخاص. وهي السبب ‏الرئيس في إحجامه عن استثمار أمواله في مشاريع اقتصادية. فهل ‏من المنطق أو المعقول أن يخاطر المستثمرون برأسمالهم إذا أُخذت ‏نسب كبيرة من أرباحهم. الطبيعي أن زيادة الضرائب ستدفع بالشركات ‏إلى إيجاد طرق لحماية رأسمالها من الضرائب. أو إلى نقل جزء أو ربما ‏كلِّ عملياتها إلى الخارج. وعواقب ذلك لا تخفى على أحد ركود في ‏الأسواق، تفشي البطالة، زيادة الاستيراد، ضغوط على العملة ‏المحلية، انتشار الفساد، تدهور الاقتصاد، وغلاء الأسعار، والقلاقل ‏الاجتماعية. وخير شاهد على ذلك الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية. ‏وما حدث من هروب الكثير من رجال الأعمال في بلجيكا وكثير من ‏الدول المتخلفة لارتفاع مستويات الضرائب في بلادهم، وتفضيلهم ‏العمل في دول أخرى. وما هروب الكثير من رجال الأعمال من دول ‏العالم الثالث إلى أمريكا وغيرها من الدول التي تتمتع ببيئة جاذبة ‏للاستثمارات ليس بخافي على أحد، ولا تخطئه العين المبصرة.‏

أما الطريق الأسلم والأفضل لزيادة الحصيلة الضربية فهو فتح باب ‏الاستثمار بكل حرية وشفافية. وتطوير القوانين الوطنية المنظمة ‏للمشاريع الكبرى لزيادة عدد المشاريع وتنوعها واستقرارها. والحد من ‏التدخل الحكومي فيها. وتوفير الكثير من فرص العمل. وعدم تدخل ‏الدولة في الاقتصاد واقتصار دورها على رعايته ومراقبته من بعيد. ‏وتركيز اهتمامها على التشريعات والقوانين المتعلقة بالضرائب. ودعم ‏نظام قضائي متطور وقادر على أن يكون مرجعية مضمونة ونزيهة ‏لكل صغيرة وكبيرة في مجال الأعمال. وبما يضمن تحقيق العمل ‏المؤسساتي ولجم تفشي الفساد الوظيفي، أو الحد من آثار الأخطاء ‏الفردية بالحد الأدنى. مع فتح الباب واسعاً أمام القطاع الخاص ليكون ‏له حرية الاستثمار والعمل في كافة القطاعات والمجالات. سواء النقل ‏أو استخراج الثروات أو التعليم والتصنيع التكنولوجي. وحتى البنوك ‏وصيانة الطرق ورعاية المتاحف والحدائق. وحتى التصنيع الحربي ‏أحياناً. والتجارب والواقع وما يجري في أوروبا والولايات المتحدة التي ‏شهدت نهضة اقتصادية كبيرة ورفاه اجتماعي خلال القرن السابق ‏ترى أن  هذا هو المسلك الصحيح والناجح.‏

والحكماء من القائمين على الحكم يرون نصاب الضرئب ما ترضى به ‏الأمة، و لا يثقل لها كاهل. يدفعوه وهم رضوان. وينفق فيما ‏ينفعهم، وييسر سبل العيش لهم. وهذه هي فلسفة الضرائب في ‏كمالها وتممها، جمعا ونفقة. كما اقبسها  ابن خلدون في مقدمته ‏من رسالةٍ المأمون إلى عبدالله بن طاهر بن الحسين لمَّا ولاه الرقة ‏ومصر وما بينهما. فكتب إليه أبوه يقول: "انظر هذا الخراج [الضريبة] ‏الذي قد استقامت عليه الرعية وجعله الله للإسلام عزاً ورفعة. لا ‏تأخذنَّ منه فوق الاحتمال له ولا تكلفن أمراً فيه شطط. واعلم أنك ‏جعلت بولايتك حافظاً وراعياً. وإنما سمي أهل عملك رعيتك لأنك ‏راعيهم، وقيمهم. تأخذ منها ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم. ‏وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم. [فتستدعي] زيادة النعمة من ‏ربك والنصيحة من رعيتك. وأُعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك. ‏وفشت العمارة بناحيتك. وظهر الخصب في كورك ‏‏(الْمَدِينَةُ وَكُلُّ بُقْعَةٍ تَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالقُرَى. ‏كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ الرِّيفِيَّةِ) فكثر خراجك وتوفرت أموالك ‏وقويت".‏

- العدل والحكم الرشيد

من أهم العوامل التي تؤدي إلى تفكك أي حضارة أو أمة من الأمم ‏وتمزقها. وكذلك تعوق قدرة أفرادها على التعامل مع ما يواجهها ‏من مشكلات بيئية واجتماعية واقتصادية: غياب العدل في توزيع ‏الثروات بصورها المختلفة. وغياب الحكم الرشيد بتركيز السلطة في يد ‏قلة من الناس. وقصر المشاركة السياسية على فئة أو جماعة ‏بعينها.‏

ففي ظل غياب الحكم الرشيد، وغرور القوة والسيطرة، وترهل الأداء، ‏والبطء في اتخاذ القررات، تتفاقم المشاكل وتزداد الأمور سوءا يوما ‏بعد يوم. ولنضرب مثلا بمشكلة البطالة وهي المشكلة التي تؤرق أي ‏مجتمع. هذه المشكلة تتفاقم مع زيادة السكان ودخول أفراد جدد ‏إلى سوق العمل سنويا، دون وجود خطط واضحة و حلول ناجعة. ‏فالسلطة التي لا تجد من يحاسبها و يراقبها، تتسم ببطء الأداء، ‏والفقر في التفكير، وغياب الرؤية التشريعية، والقانونية، ‏والاستثمارية للحل. مما يؤدي إلى تفاقم  المشكلة بسبب قلة ‏المعروض من فرص العمل، وزيادة الطلب. هذا التنافس الشديد على ‏ما يتاح من فرص عمل قليلة يؤدي أول ما يؤدي إلى فساد الذمم ‏وانتشار الرشوة والمحسوبية، واختيار الأقل كفاءة ومهارة. فينهار ‏الانتاج والانتاجية، إذا كانت فرص العمل في القطاع العام أو ‏الحكومي. أما إذا كانت في القطاع الخاص، فإن رجال الأعمال ‏يستغلون كثرة الراغبين في العمال في تقديم إجور متدنية، مما ‏يؤدي إلى ازدياد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا. وهذا التفاوت في توزيع ‏الثروات، يؤدي إلى الحقد الاجتماعي، الذي يمزق الأمة، ويضع البذور ‏الأولى للاضطرابات السياسية والاجتماعية. وقد يؤدي إلى تكالب ‏الأمم الأخرى على الأمة، مما يزيد من جراحها وألامها، وقد ينتهي ‏بضعفها وتفككها. . 

الانفراد بالسلطة أو تركيزها في يد فئة أو طبقة أو جماعة بعينها، ‏تتوارثها جيلا بعد جيل. مع قلة قدرتها وكفأتها وخبرتها. وعيشها ‏حياة الترف المفسد للخلق، والبذخ والإنفاق في مصارف ابعد ما ‏تكون عن الاحتياجات الضرورية للمجتمع. يعمل على هلاك الفقير ‏واستغراق المُترف في ترفه. ومع استمرار هذا السلوك غير المسئول ‏من الأنفاق. مثل التباهي بالماركات التجارية العالمية لما يلبسون ‏ويركبون. وبما تحتوي عليه قصورهم من أثاث وتحف وزينة. تتأكل ‏خزينة الدولة. وينهار اقتصادها. فتذهب إلى الاستدانة، ورهن قرارها ‏السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وتتحول إلى فرق كل فرقه يملك ‏زمامها قوة خارجية تحركها لتحقيق مصالحها ومأربها. وينتهي بها ‏الحال إلى شيعا واحزاب. لا ترى في لسانهم لسان الأمة. ولا تري ‏في تقاليدهم إلا تقاليد من هندسوا فكرهم وقيمهم.‏

إذا وجود الطبقية في المجتمع من الأسباب الهامة لانهيار الحضارات ‏و الدول. والتاريخ القديم خير شاهد على ذلك. فوجود طبقات عدة ‏منها الطبقات الدينية في الهند البراهمه وفي أوروبا الرهبان ‏المقربين الى النبلاء، أدى إلى فقد الكثير من الناس الثقه بالدين ‏ورجال الدين. فقاموا بثورات تحررهم من ظلمهم وقهرهم. ووجود ‏طبقات الأغنياء و الفقراء والتي مازالت قائمة حتى وقنا الحاضر في ‏حواضر كثيرة، دون وجود طبقة وسطى تخلق التوازن بينهم. قد ‏يتطور بالأوضاع إلى اندلاع ثورة، بسبب حقد الفقراء على الاغنياء. ‏خاصة من جمع منهم أمواله بطرق غير مشروعه. وما أكثرهم في ‏زمننا هذا. وفي الثورة البلشفية المثل والعظة لمن أراد أن يتعظ أو ‏يعتبر. فلم يعتنق أكثر الفقراء للماركسيه الشيوعيه، إلا لأنهم وجدوا ‏فيها طريق الخلاص من تسلط الأغنياء واستبدادهم.‏

اما طبقات الساده و العبيد فقد وجدت في العديد من الأمم ‏والامبراطوريات على مدار التاريخ. وقد يخطيء من يتوهم أن العبودية ‏انتهت في 2 ديسمبر 1949، يوم ‏اعتماد الجمعية العامة لاتفاقية الأمم المتحدة لقمع الاتجار بالأشخاص واستغلال بغاء الغير. هذا فهم سطحي للمفهوم الشامل للرق. ‏وقرأءة تخلو من التدبر لواقع العالم الذي نعيشه. فالرق بمفهومه ‏الشامل يشمل: ‏‏"العمل الجبري، ورق الديون، والزواج القسري، والاتجار بالبشر. وكل ‏حالات الاستغلال التي لا يمكن لأي شخص رفضها أو الفكاك منها بسبب التهديدات والعنف والإكراه والخداع و/أو إساءة استخدام السلطة". واظن أن ما من دولة من دول العالم تسلم من صورة من صور ‏الرق تلك.‏

هل استسلام الناس للرق في صورته الأولى والشائعة والمعروفة ‏بالعبودية؟  فقد قامت ثورات عدة للتخلص من العبودية. من أشهرها ‏ثورة الزنج في منتصف القرن الثالث الهجري. وهي ثورة قام بها ‏العبيد بسبب ما كانوا يحملونه من حقد تجاه سادتهم. وكادت هذه ‏الثورة تطيح بالدوله العباسية. ومن هذه الثورات أيضا ثورة العبيد او ‏بما يعرف بثورة اسبارتكوس في روما والتي كانت قريبة من الاطاحة ‏بالامبراطورية الرومانيه. كذلك، كانت العبودية احد الأسباب الرئيسيه ‏لاندلاع الحرب الاهلية الامريكية.‏

وهل تظن أن الناس ستصبر على صور الرق الحديثة ولا تنتقض لتحرير ‏أنفسها منه؟ وهل لا يوجد في عصرنا الحاصر عصر التكنولوجي وثورة ‏المعلومات نماذج لمقاومة الرق؟ أظن أن الأجابة غير الخجولة على ‏هذه الأسئلة ستتراوح بين من ينكر وجود الرق. وهؤلا من ‏المستعبدين فكريا. ومن يقره لاكتوائه بناره، من  استبداد نفر ممن ‏أتوا السلطة والحكم بمرؤسيهم. ومن استغلال المال والثروة ‏والأعمال ممن مكنهم الله منه في استعباد من هم في حاجة إلي ‏المال أو العمل. و من تجارة الرقيق الأبيض، والمتجارة بحرية المرأة ‏تبرجا وعريا، لتكون صيد شهواتهم الثمين. ومن تسلط السلطة على ‏الضعفاء واستغلال حاجتهم لدعم نظمهم الظالمة المستبدة. ‏ويحضرني في هذا المقام قول الكاتب الكبير الاستاذ محمود العقاد: ‏‏"الوظيفة رق القرن العشرين".‏

- التغيرات المناخية

الأثار والأدلة والوقائع التاريخية تظهر أن تغير المناخ كان سببًا رئيسًا ‏في تراجع وانهيار الأمبراطوريات القديمة في الصين والشرق الأوسط ‏وأوروبا والأمريكتين. دائما ما كان التغير المناخي في فترات انهيار ‏وتفكك هذه الحضارات، بجانب عوامل أحري سببا في وقوع اضطرابات ‏سياسية، وانهيار مجتمعي، وسكاني. وذلك لتأثير التغيرات المناخية ‏السلبية على القطاع الزراعي الذي قامت عليه هذه الحضارات. وما ‏ينتج عنه من تدهور انتاجية المحاصيل الزراعية، ونفوق الحيونات، مما ‏يضطر السكان إلى الهجرة.‏

هناك الكثير من الحضارات القديمة التي انهارت وتفككت بسبب ‏التغيرات المناخية. أبرزها حضارة المايا في أميركا الوسطى. والحضارة ‏الأكدية (حضارة بين النهرين). وحضارة الخمير. وحضارة مستوطني ‏الفايكنج. وحضارة وادي السند.‏

امتدت حضارة المايا جغرافيا في جميع أنحاء ‏شبه جزيرة يوكاتان ‏وغواتيمالا وبليز وأجزاء من المكسيك وغرب هندوراس ‏والسلفادور‏. و استمر حكمها حوالي 3 آلاف عام. وكانت مدينة كالاكمول ‏‏(هولمول) إحدى أكبر وأقوى مدنها. وكان يحكمها "ملوك الأفعى" ‏من سلالة كانول. وكانت شارتهم ثعبان مبتسم ابتسامة فظة. لكن ‏بعد أن ضرب الجفاف الطويل المدن التي كانت تنضوي تحت حضارة ‏المايا، دمرت المحاصيل الزراعية، وانقطعت إمدادات مياه الشرب، ‏فانهارت حضارة المايا وتفككت. ولم يبق منها سوي هولمول التي ‏سجلت كموقع أثري من مواقع التراث العالمي الطبيعي والثقافي. ‏وتقع هولمول في العصر الحاضر في ولاية كامبيتشي في ‏المكسيك.‏

كانت الإمبراطورية الأكدية أول إمبراطورية قديمة في بلاد ما بين ‏النهرين، بعد الحضارة السومرية المديدة. تمركزت في مدينة أكد وفي ‏المناطق المحيطة بها في منتصف بلاد الرافدين (حالياً العراق). منذ ‏أكثر من 4 آلاف عام، حكمت الإمبراطورية الأكدية مناطق واسعة في ‏بلاد ما بين النهرين، لكن حل بالبلاد شتاء طويل وجاف. انخفضت ‏خلاله كميات الأمطار بشكل ‏غير مسبوق. وارتفعت في المقابل ‏معدلات هبوب رياح الشمال الباردة مع عواصف ترابية. كان لها ‏أثر ‏ كبير على النشاط الزراعي. مما اضطر السكان إلى مغادرة ‏المناطق المنكوبة والهجرة إلى مناطق تنتشر فيها ‏الغابات. إلا أن ‏الهجرة الجماعية زادت الضغط على الموارد المتبقية. مما أدى إلى ‏تفاقم المشاكل، وانهيار الإمبراطورية بشكل مفاجئ وسريع.‏

كانت مملكة الخمير في جنوب شرق آسيا مزدهرة في بلاد الهند ‏الصينية بين 802 و1431 م. لكنها دمرت ‏نتيجة الجفاف الذي تخللته ‏أمطار موسمية عنيفة على خلفية تغير المناخ‏. ويمثل معبد "أنجكور ‏وات" الشهير في كمبوديا تذكيرا جيدا ببراعة حضارة الخمير.‏

يعتقد أيضا أن مستوطني الفايكنج في جرينلاند في أقصى شمال ‏المحيط الأطلسي تأثروا بتغير المناخ، حيث عاش 5 آلاف ‏مستوطن ‏في الجزيرة لنحو 500 عام. لكن حياتهم تغيرت بسبب تغير المناخ. فقد ‏انخفضت درجات الحرارة في الجزيرة. مما ‏قلل بشكل كبير إنتاج ‏مزارعهم وجعل تربية الماشية أكثر صعوبة. ورغم محاولتهم تغيير ‏عاداتهم الغذائية والتركيز على البحر كمصدر للغذاء. فإن الحياة في ‏جرينلاند أصبحت صعبة للغاية. مما ‏دفعهم في نهاية المطاف إلى ‏مغادرة الجزيرة.‏

انتشرت حضارة ليانج تشو وحضارات العصر الحجري الصينية على طول ‏دلتا نهر يانجتسي، قبل نحو 4300 عام. فقد وجد في موقع حضارة ‏ليانغ تشو مدينة قديمة متطورة كانت تتمتع بنظام متقن لإدارة ‏المياه، مؤلفاً من الأقنية والسدود والخزانات المائية. وهو ما أتاح ‏الفرصة فيها لزراعة مساحات ‏واسعة على مدار العام. وتدل أنقاض ‏المدينة على أنها كانت متقدمة في عصرها على المستويين الثقافي ‏والتكنولوجي. وخصوصاً في مجالات الزراعة وتربية الأحياء المائية. غير ‏أنها باتت مهجورة ‏بشكل غامض. وانهارت حضارتها منذ نحو 4300 ‏عام.‏ ويعتقد الباحثون أن الأمطار الموسمية الغزيرة غير المألوفة ربما ‏تسببت بفيضانات كبيرة لنهر يانجتسي وفروعه، إلى درجة أن السدود ‏والأقنية المتطورة في ذلك الوقت لم تستطع ‏تحمّلها. الأمر الذي ‏أدى إلى تدمير مدينة ليانج تشو وإجبار ساكنيها على الفرار.‏ في ‏‏2019م، أعلنت اليونسكو موقع حضارة ليانغ تشو موقعاً للتراث ‏العالمي.‏

ترسخت جذور حضارة وادي السند المتقدمة في شمال غرب الهند ‏وباكستان، في الفترة بين عام 3000 قبل الميلاد إلى عام 1700 قبل ‏الميلاد حيث انهارت وتفككت. ويعتقد المؤرخون وعلماء الآثار أن ‏الجفاف الشديد والطويل الأمد وتراجع التجارة مع مصر وبلاد ما بين ‏النهرين سببا هذا الانهيار. إضافة إلى الزلازل التي قد تكونت ‏ساهمت في تدهور العديد من المواقع عن طريق أضرار الاهتزاز ‏المباشر أو التغيرات في منسوب البحار أو في إمدادات المياه.‏

ويبدوا أن ما شهدته الحقب القديمة من تغيرات مناخية، انهارت على ‏أثرها الكثير من الحضارات التي ما زالت بقايا من بقايها شاهدة على ‏قوتها، وتقدمها. ماثلة أما اعين البحثين والمفكرين ووضعي ‏السياسات وهم يرون ما تشهده الكرة الأرضية الآن من أحداثا مناخية ‏قاسية. شملت حرائق الغابات الواسعة، وارتفاع درجات الحرارة ‏بشدة، ‏وهطول الأمطار الغزيرة والفيضانات الهائلة. تستدعي ‏خوفهم من أن يصيب الأرض من تغيرات مناخية تنذر بفناء ما انجزته ‏البشرية من تقدم علمي وتقني. فمنذ ظهور الثورة الصناعية، وهناك ‏كميات متزايدة من الغازات الملوثة تضخ في الغلاف الجوي. مما أدى ‏إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة ‏مئوية واحدة تقريبا‏. ولو ‏ظلت الأمور كما هي عليه، ولم تتكاتف البشرية للحد من ما يضخ من ‏غازات ملوثة، فمن المرجح أن تزيد دراجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة ‏مئوية في الفترة بين 2030 و 2052. وهذه الزيادة يمكن أن تتسبب ‏في ‏انقراض بين 20 و30% من أنواع الحيوانات. ‏وفي حال ارتفعت درجة ‏حرارة الكوكب بمتوسط درجتين مئويتين، فإن الضرر سيكون أسوأ. ‏ومن اسوء ما في هذا الضرر بالنسبة للبشر ارتفاع مستويات سطح ‏البحر، والجفاف. فارتفاع مستويات سطح البحر سيكون له الضرر البالغ ‏على 8 مدن من أكبر 10 مدن في العالم تتمركز على ‏الشريط ‏الساحلي. أما الجفاف والمجاعة الناجمان عن المناخ قد يتسببا في ‏هجرة جماعية مماثلة لتلك التي حدثت منذ آلاف ‏السنين. وسيكون ‏هذا التاثير أشد وأقسى على البلدان المنكوبة في نزاع مسلح أو حرب ‏أهلية. حيث سيكون إيصال المساعدة إليها محفوف بالصعوبات ‏والمخاطر‏.‏

لمزيد من المعلومات عن اسباب إنهيار الحضارات شاهد الفيديو المرفق.‏

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة اكتشاف الجينوم البشري واستخدماته الطبية ‏

مفهوم الجينوم البشري الجينوم البشري عبارة عن مجموعة كاملة من تسلسلات الحمض النووي للبشر، مشفرة على شكل DNA داخل 23 زوجًا من الكروموسومات في نواة الخلية. وفي جزيء DNA صغير موجود داخل الميتوكوندريا الفردية. وبهذا يشمل الجينوم البشري الجينوم النووي وجينوم الميتوكوندريا. اكتشاف الجينوم البشري في عام 1953م أثبت واطسون وكريك ‏أن الجينات عبارة عن لولب مزدوج من ‏الحمض النووي DNA. وكان هذا الاكتشاف من أعظم الاكتشفات البشرية. في عام 1980م ظهرت فكرة الجينوم. ‏وكان عدد الجينات البشرية التي تعرف ‏عليها العلماء حوالى 450 جين. في ‏منتصف الثمانينات. تضاعف هذا العدد ‏ثلاث مرات ليصل إلى 1500 جين. ‏بعض هذه الجينات كانت المسببة لزيادة ‏الكوليسترول في الدم (أحد أسباب ‏مرض القلب) وبعضها يمهد للإصابة ‏بالأمراض السرطانية. توصل العلماء إلى ان هناك ما بين 60: ‏‏80 ألف جين في الأنسان. موجودة على ‏‏23 زوجا من الكروموسومات. وتعرف ‏المجموعة الكاملة للجينات باسم الجينوم ‏البشرى. وقد تم اكتشاف أكثر من نصف ‏هذه الجينات حتى الأن. قصة تسلسل الجينوم البشري ‏تم تحديد تسلسل الحمض النووي بالجينوم البشري بالكامل في عام 2022....

قصة اكتشاف البروتينات بخلايا الكائنات الحية

قصة اكتشاف البروتينات وصف البروتينات لأول مرة الكيميائي الهولندي جيراردوس يوهانس مولدر. أما تسمية البروتين فترجع إلى الكيميائي السويدي يونس جاكوب بيرسيليوس، وذلك في عام 1838. أجرى مولدر تحليلًا أوليًا للبروتينات الشائعة ووجد أن جميع البروتينات تقريبًا لها نفس الصيغة التجريبية، C 400 H 620 N 100 O 120 P 1 S 1 . لقد توصل إلى استنتاج خاطئ مفاده أنها قد تكون مكونة من نوع واحد من الجزيئات (الكبيرة جدًا). ثم اقتراح مصطلح "بروتين" لوصف هذه الجزيئات بيرسيليوس زميل مولدر. البروتين مشتق من الكلمة اليونانية ( (proteios ، والتي تعني "الابتدائي" أو "في المقدمة"، أو "الواقف في المقدمة". ومضى مولدر في تحديد منتجات تحلل البروتين مثل الحمض الأميني الليوسين الذي وجد له وزنًا جزيئيًا (صحيحًا تقريبًا) يبلغ 131 دالتون. اعتقد علماء التغذية الأوائل، مثل الألماني كارل فون فويت، أن البروتين هو أهم عنصر غذائي للحفاظ على بنية الجسم. لأنه كان يعتقد بشكل عام أن "اللحم يصنع اللحم". قام كارل هاينريش ريتهاوزن بتوسيع معرفته بالبروتين مع التعرف على حمض الجلوتاميك....

كيقية تحضير سم الريسين من بذور نبات الخروع؟

  الموطن الأصلي والوصف الظاهري الموطن الأصلي لنبات الخروع جنوب شرق حوض البحر الأبيض المتوسط وشرق إفريقيا والهند. وتنتشر زراعته رئيسياً في البرازيل والهند والصين والاتحاد السوڤييتي (سابقاً) وتايلند. ينسب إليه نحو 17 صنفاً، تشتمل على أشجار وشجيرات تُنتِج بذوراً كبيرة، ونباتات عشبية حولية تُنتِج بذوراً أصغر حجماً. وتعد الأصناف المستزرعة حالياً من الأصناف الأصغر حجماً وأمكن تطويرها بالتحسين الوراثي، بهدف الحصول على نباتات تتميز بمردود عال من البذور. وبالرغم من البذور سامة فإن الزيت غير سام.الأن شجر الخروع منتشر في جميع أنحاء المناطق الاستوائية ويزرع على نطاق واسع في أماكن أخرى كنبات للزينة. الوصف الظاهري الخروع نبات شجري يتبع العائلة اللبنية. اسمها العلمي (باللاتينية: Ricinus communis ). وهو نوع من النباتات المُزهرة والمُعمِّرة التي تُستخدم في الزينة. الشجيرة سريعة النمو. يمكن أن تصل إلى حجم شجرة صغيرة، حوالي 12 مترًا (39 قدمًا). يبلغ طول الأوراق اللامعة 15-45 سم (6-18 بوصة). الأوراق متبادلة. راحية تشمل على خمسة إلى اثني عشر فصًا عميقًا بأجزاء مسننة خشنة. في بعض الأصناف، عندما تكون...

الهيل: التوزيع والانتشار والفوائده الصحية ‏

التوزيع والانتشار يعرف بالهيل في الجزيرة العربية والشام. ويعرف بالحبهان في مصر. كما يعرف بقاع القلة أو القعقلة في المغرب العربي. هذه الاسماء الشائعة مجتمعة تشير إلى نوعين من النباتات ينتميان إلى جنسين مختلفين من الفصيلة الزنجبارية. يتوزع الهيل، أو الهيل الأخضر في المنطقة من ماليزيا إلى الهند. ويتميز بلون ثماره الأخضر الفاتح. أما الهيل الأسود (الهيل البني، أو هيل جافا، أو هيل بنغالي، أو هيل سيامي، أو هيل أبيض أو أحمر) فيتوزع بصورة رئيسية في آسيا وأستراليا. وتتميز ثماره بأنها أكبر وذات لون بني غامق. والهيل الأسود أو البني زكي الرائحة قوي المذاق له العديد من الاستعمالات. فهو يدخل في عمل القهوة والحساء ويعتبر من أغلى أنواع التوابل. وتتميز حبوب الهيل بشكله المثلثي في القطع العرضي، وتحمل الحبوب بذور سوداء صغيره.استخدام الهيل في القهوة: في بلاد الخليج يضاف الهيل إلى القهوة. فيكسبها طعماً ونكهة مميزة. وقد اثبت الدراسات العلمية أن الزيوت الطيارة ذات الرائحة العبقة في بذور الهيل، تبطل مفعول الكافيين على الجسم. لمعرفة كيفية زراعة الهيل شاهد الفيديو في الرابط المرفق. أن طريقة تحميص حبوب البن لإعد...

مراحل تطور علم الخلية منذ ولادته الأولى حتى يومنا هذا

منذ زمنا بعيدا والانسان يدفعه فضوله للبحث عن ماهية الخلايا وتركيبها ووظيفتها. ومعرفة ما بها من مكونات وتركيبها ووظائفها. هذا ‏ الفضول وما أثمر عنها من تراكم معرفي أدى إلى نشأة علم الخلية كأحد علوم البيولوجي. ما هي العلوم التي ساعدت على نضج علم الخلية؟ وقد ساعد على نضج علم الخلية تقدم علوم أخرى أهمها: علوم الكيمياء ‏ والفيزياء البصرية والأجنة والتشريح وغيرها. كذلك، فإن هناك علاقة قوية ووثيقة بين علم الخلية وعلمي الوراثة والفسيولوجيا. فعلم الوراثة ‏ يهتم بكيفية انتقال المادة الوراثية من جيل إلى جيل وعلاقة ذلك بانقسام الخلايا. بينما يهتم علم الفسيولوجيا بالأنشطة الحيوية التى تتم ‏ داخل الخلايا والتي توضح بصورة جلية الأهمية الوظيفية للمكونات الخلوية المختلفة. كما يهتم بالآليات التي تمكن الخلية من القيام بالتغذية ‏ والتكاثر والنمو وغيرها. إضافة لما تقدم، لعلم الخلية دورا مهما في فهم الأسباب التى تؤدى إلى تحويل الخلايا الطبيعية إلى ‏ خلايا شاذة، وما يخلفه ذلك من أمراض. ففهمي اسباب هذه الامراض ساعد قي كيفية العلاج منه. بصفة عامة فإن لهذا العلم أهمية كبرى ‏ فى نواحى الحياة الطبيعية و...