نسبها
أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية صحابيةٌ
من الخزرج من بني النجار. شاركت في عدد من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض
معارك حروب الردة. يشار - إليها في بعض المصادر - باسم نسيبة بنت كعب المازنية.
تزوجت قبل الإسلام زيد بن عاصم الأنصاري.
وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة العقبة وبدر ثم أحد. وأنجبت له ولديه حبيب وعبد
الله. و لم تذكر كُتب السير والتراجم شيئًا عن وفاته. ثم تزوجت أم عمارة من بعده
غزية بن عمرو الأنصاري. وكان أيضًا ممن شهد بيعة العقبة وأحد. وهو أخو سراقة بن
عمرو. وأنجبت له ضمرة الذي قتل في موقعة الجسر. ولأم عمارة ولد آخر يدعى تميم
يختلف كتاب السير في نسبته إلى زيد بن عاصم أم لغزية بن عمرو.
إسلامها
كانت أم عمارة من أوائل أهل يثرب دخولاً
في الإسلام. فقد كانت إحدى امرأتان بايعتا النبي محمد في بيعة العقبة الثانية.
ولما هاجر النبي محمد إلى يثرب، كانت أم عمارة من المخلصات في نشر الدين. فشاركت
في غزوة أحد مع زوجها زيد بن عاصم الأنصاري وابنيها، لتسقى الجرحى وتطبّبهم.
لكنها بعد أن دارت الدائرة على المسلمين قاتلت هي وزوجها وإبناها دفاعًا عن النبي
محمد. وأبلت بلاء حسنًا. وجُرحت ثلاثة عشر جُرحاً بين طعنة برمح أو ضربة بسيف.
فدعا لهم النبي محمد أن يكونوا رفقائه في الجنة.
جهادها
وحين نادى النبي محمد في أصحابه صبيحة يوم
أُحد للخروج لمطاردة قريش، همّت أم عمارة للخروج معهم. لكنها لم تقو على المشاركة
في تلك الغزوة بعد أن أثقلتها جراح يوم أحد. وحين عاد المسلمون من تلك الغزوة،
أرسل النبي أخاها عبد الله بن كعب ليُطمئنه على أم عمارة لما أبلته من بلاء في أحد.
فطمئنه على سلامتها، فسُر النبي بذلك.
ثم شاركت أم عمارة بعد ذلك في غزوة بني
قريظة وغزوة خيبر.
وفي سنة 6 هـ، خرجت أم عمارة مع النبي
محمد وألف وخمسمائة من المسلمين لأداء العمرة. وقبل أن يدخل النبي محمد وأصحابه
مكة، أرسل عثمان بن عفان ليبلغ قريش أنهم جاءوا للعمرة. تأخر عثمان في العودة
بالرد، فظنّ المسلمون أن عثمان قُتل. فبايعوا النبي محمد بيعة الرضوان على الموت
ثأرًا لعثمان، وكان فيهم أم عمارة. وهي البيعة التي نزل فيها الوحي بقوله تعالى: "لَقَدْ
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا". كما قال النبي محمد عن من بايعه يومها: "لَا
يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" (الراوي: جابر
بن عبد الله؛ المصدر: صحيح أبي داود).
وقد شهدت أم عمارة بعدئذ صلح الحديبية
الذي عُقد بين المسلمين وأهل مكة بعد عودة عثمان. ثم حضرت مع النبي محمد عمرة
القضاء في العام التالي.
وبعد فتح مكة، بلغ النبي محمد أن هوازن قد
جمعت لقتاله. فقرر الخروج لقتالهم بكامل الجيش الذي فتح مكة. وكان قوامه عشرة
آلاف مقاتل. تقابل الفريقان في حنين. ووقع المسلمون في بداية المعركة في كمين
نصبته هوازن. ففر معظم جيش المسلمين. يومئذ. وقفت أم عمارة وفي يدها سيف تصيح في
الأنصار: "أيَّة عادة هذه؟! ما لكم وللفِرار؟!". ووقفت تقاتل. ثم عاد
المسلمون للقتال لمّا رأوا ثبات النبي محمد في قلة معه.
وبعد وفاة النبي محمد، ارتدت بعض القبائل
عن الإسلام. فقرر خليفته أبو بكر الصديق قتالهم. ودارت في معظم أركان الجزيرة
العربية معارك عُرفت بحروب الردة. التحقت أم عمارة ببعث خالد بن الوليد الذي خرج
لقتال بني تميم ومن بعدهم بني حنيفة ومتنبئهم مسيلمة الكذاب. وكان مسيلمة قد قتل
ابنها حبيب ومثّل به، لما لم يشهد له بالنبوة، عندما بعثه النبي إليه في اليمامة
لينظر أمره.
شاركت أم عمارة ومعها ابنها عبد الله بن
زيد في قتال معركة اليمامة أعتى معارك حروب الردة. وأبلت فيها بلاءً حسنًا. ونجح
ابنها عبد الله في الثأر لأخيه. وقتل بسيفه مسيلمة. أصيبت أم عمارة في تلك المعركة
بأحد عشر جرحًا. وقُطعت يدها. فبعث إليها خالد بن الوليد بطبيب كوى لها القطع
بالزيت المغلي.
تميزت أم عمارة بالإخلاص لدينها، وشجاعتها في الذود عنه. وهو ما تجلّى من قتالها في غزوتي أحد وحنين ومعركة اليمامة. كما عُرف عنها صبرها. فعندما جاءها الخبر بمقتل ابنها حبيب على يدي مسيلمة. قالت: "لمثل هذا أعددته وعند الله احتسبته". ومن حرصها على ابتغاء ثواب عبادتها، أتت أم عمارة النبي محمد يومًا، فقالت: "ما أرى كل شيء إلا للرجال. وما أرى النساء يذكرن بشيء؟". فنزلت آية: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
وفاتها
توفيت ام عمارة في خلافة سيدنا عمر رضي
الله عنهما. وذلك عام 13 للهجرة بعد تاريخ حافل من الغزوات والثبات على دين الله.
فكانت نعم المرأة الصابرة والمجاهدة في سبيل الله. توفيت متأثرة بجراحها في معركة
اليمامة، ودفنت في البقيع.

تعليقات