الإبداع هو:
"قدرات عقلية للبحث عن الجديد وإنتاجه دون تجاوز للقيم الأخلاقية
والروحية".
يشير مفهوم
التفكير الإبداعي بأته قدرات عقلية للبحث عن الجديد. إذا ما هي هذه القدرات؟ يقول
أهل التخصص في هذا المجال: الطلاقة والمرونة والإصالة. وما هي الطلاقة والمرونة
والإصالة؟ الطلاقة هي: القدرة على توليد أكبر عدد من الأفكار عن موضوع معين في
وحدة زمنية ثابتة؛ والمرونة هي: القدرة على تغيير الحالة الذهنية والأفكار بتغير
الموقف والتحرر من القوالب النمطية في التفكير؛ والأصالة هي: القدرة على
إنتاج الحلول الجديدة وعدم تكرار الأفكار والحلول التقليدية للمشكلات.
عادة ما يسبق
الإبداع الحقيقي تفكير بناء لا يتجاوز التعاليم الإلهية. فالمهمة الأولى للإبداع
الحقيقي - من منظور إسلامي - الإسهام في حل مشكلة، أو تزكية القيم التي أكدت عليها
التعاليم الإلهية. فإذا تجاوز الإبداع ما جاء به الدين صار إبداعًا مهلك ومدمرا
وشيطانيًا. وثمرت هذا النوع من الإبداع الشيطاني نراها ليل نهار: إنحطاط اخلاقي،
وفحش، واعتداء على حرامات الناس. فما قيمة الأفكارً الجديدة والمنتجات عظيمة القوة
مادامت تسخر ضد كل قيمة سامية من قيم الإنسانية. فهل ازدراء الأديان إبداع؟! وهل
الخروج على القانون إبداع؟!، وهل الإبداع العلمي من أسلحة مدمرة وفتاكة إبداع؟!
الإبداع الحقيق هو ترقية الذوق الإنسان، وترسيخ القيم الإخلاقية الاعتقادية
والتعبدية، والإرتقاء بمستوى معيشة الناس.
تسمو منظومة
القيم الإسلامية عن منظومات القيم الغربية في أنها تربط الإنسان بخالقه المبدع
المصور، وتنظم تصورات الإنسان للكون والحياة والمصير. وهذا هو مناط التكليف
والاستخلاف في الأرض الذي إذا انفصل الإنسان عنها عاث في الأرض فسادا، فأهلك الحرث
والنسل. وها هي آيات القرآن توجهنا إلى مراد الله منا؛ لخيرنا وصلاح كوكبنا، في
قول الله سبحانه وتعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ" (سورة آل
عمران190). والإبداع في القرآن هو أول ما نزل على رسول الله من القرآن، في قول
الله سبحانه وتعالى: "ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ١" (سورة
العلق:1)، فأول كلمة نزلت من القرآن الكريم ،كلمة( إقرأ ) فالقرآة تكليف إلهي
لأنها مصدر العلم والمعرفة وبدونهما يعجز الإنسان عن الإبداع في كل مجالات الحياة،
إبداعا يرضي الخالق ويحقق الاستخلاف في الأرض. والشريعة الإسلامية دعت إلى السعي
الجاد من أجل تحقيق إبداعات علمية من خلال النظر الصائب والتفكير الجاد في مخلوقات
الله المادية والحية في قول الله سبحانه وتعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ
الْآخِرَةَ" (سورة العنكبوات: 20)؛ وفي قوله: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ" (سورة الرحمن:
33). كما عددت آيات القرآن أنواعاً المعارف - من علوم الفضاء وعلوم الأرض وعلوم
النبات وعلوم الحيوانات - التي إذا انشغل بها الإنسان المسلم وحذقها زادته قرب
وخشية من الله، في قوله سبحانه وتعالى:
"أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ
ثَمَرَٰت مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيض وَحُمۡر
مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُود٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ
وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ
عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ٢٨ " (سورة فاطر:
27-28). وما الإبداع في هذه العلوم إلا رخاء للبشرية. والتفكير الإبداعي في القرآن
شمل آيات الله المسموعة وآيات الله المشهودة. فمن الآيات المسموعة قول الله سبحانه
وتعالى: "إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ"
(سورة الزخرف: 3)؛ وقوله "قُل لَا أَقُولُ لَكُم عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ
وَلَا أَعلَمُ الغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُم إِنِّي مَلَكٌ إِن أَتَّبِعُ إِلَّا
مَا يُوحَى إِلَيَّ قُل هَل يَستَوِي الأَعمَى وَالبَصِيرُ أَفَلَا
تَتَفَكَّرُونَ" (سورة الانعام: 50)؛ وقوله: "الَّذِينَ يَستَمِعُونَ
القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُم اللَّهُ وَأُولَئِكَ
هُم أُولُوا الأَلبَابِ" (سورة الزمر: 18). ومن آيات الله المشهودة قوله
سبحانه وتعالى: "وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ
مِن السَّمَاءِ مِن رِزقٍ, فَأَحيَا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا وَتَصرِيفِ
الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَومٍ, يَعقِلُونَ"، (سورة الجاثية: 5)؛ وقوله:
"وَمِن آيَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزوَاجًا لِتَسكُنُوا
إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ,
لِقَومٍ, يَتَفَكَّرُونَ" (سورة الروم: 21)؛ وقوله: "قَد كَانَ لَكُم
آيَةٌ فِي فِئَتَينِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخرَى
كَافِرَةٌ يَرَونَهُم مِثلَيهِم رَأيَ العَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصرِهِ مَن
يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبرَةً لِأُولِي الأَبصَارِ" (سورة آل عمران: 13).

تعليقات