الحرية في
الإسلامية فريضة إلهية وتكليف وواجب شرعي. وهي ليست حق من حقوق المسلم التي يجوز
له التناذل عنها إن أراد. والحرية في الإسلام حياة، والرق موت. وتحرير العبد (عتق
رقبته) إخراج له من موت حكمي إلى الحياة، فكفارة الموت الخطأ عتق الرقبة، بمعنى:
أن القاتل عندما يقتل خطأ فهو يخرج نفسه من إطار الأحياء، لذا لكي يعيد نفسه إلى
إطار الأحياء عليه أن يفعل ذلك من خلال إعادة الحياة إلى عبد عتقا أو تحريرا، مصدقا
لقول الله سبحانه وتعالى: "ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة" (سورة
النساء:92). وقد حرم الإسلام الرق وألغى كل المنابع والروافد التي تغذي مستنقع الرقيق،
خلافا لما كان يجري في الجزيرة العربية ودولتي الروم والفرس قبل الإسلام من أن
الرق كان ركيزة من ركائز نظامهم الاقتصادي والاجتماعي، وأن الرقيق كانوا العملة
الدولية للاقتصاد في ذلك التاريخ. وقد حبب الإسلام الناس في عتق الأرقاء بل جعله
مصرفاً من مصارف الأموال الإسلامية العامة، وصدقات المسلمين وزكواتهم، وكفارة
للعديد من الكفارات، كما سن من الشرائع التي تساوي بين الرقيق وسيده في المطعم
والمشرب والملبس، وإلى حسن معاملته والتخفيف عنه في يقوم به من أعمال.
اهتم القرآن
الكريم بالحرية اهتمامه بالقيم الأخلاقية الأخرى، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى
لسيدنا رسول الله: "فذكر إنما أنت مذكّر* لست عليهم بمسيطر" (سورة
الغاشية: 21 ـ 22)؛ و في قوله: "وما أنت عليهم بجبار" (سورة ق: 45)؛ و
في قوله: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم" (سورة الأعراف: 157)
؛ وفي قوله: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (سورة البقرة:
256)؛ وفي قوله: "لكم دينكم ولي دين" (سورة الكافرون: 6). كل هذه
الآيات جاءت لتؤكد أن دعوة الناس للإسلام دعوة تخلو من الإكراه أو الإجبار، دعوة
جوهرها حرية العقيدة. فدعوة الإسلام ما جاءت في الأسس إلا لتحرر الإنسان من كل
الطواغيت التي تستلب منه الإرادة والحرية والاختيار، وتجعل العبودية لله وحده، وذلك
في قوله سبحانه وتعالى: " قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ٢ لَمۡ
يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ٤"، (سورة
الإخلاص: 1-4)، وقوله: "وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡاۖ
وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ
وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ
وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن
كَانَ مُخۡتَالا فَخُورًا٣٦" (سورة النساء: 36).
ودعى الإسلام
إلى حرية النقد والمراجعة في النصوص الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في
قوله سبحانه وتعالى: "ولتكن منكم أمة
يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (سورة آل عمران،
104)؛ وجعل لحرية النقد ضوابط حتى لا يشتط بها الانسان، في قوله: "واعلموا إن
فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنّتم" (سورة الحجرات، 7). أما
النقد الإجرائي من المنافقين المناوئين للنبي فلم يكن بالخفي، وكان من الكثرة
بمكان، حتى نزل قول الله سبحانه وتعالى: "لئن لم ينته المنافقون والذين في
قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا
قليلا" (سورة الأحزاب، 60)، وقوله سبحانه وتعالى: "ومنهم من يلمزك في
الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهم إذا هم يسخطون" (سورة
التوبة، 58) ، وقوله سبحانه وتعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما
شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" (سورة
النساء، 65).
الحرية في
الإسلام تحدها مجموعة من الضوابط حتى لا تتحول إلى فوضى، اهمها: عدم تهديد سلامة
النّظام العامّ، وعدم إلحاقِ ضررٍ بالآخرين، وعدم إهمال الصالح العامّ، وتقييدها
بالحلال والحرام. فحرية البيع والشراء متاحة. وحرية الفكر متاحة، ولكن دون
الإعتداء على معتقدات الأخر أو أعراض الناس.
وقيد الإسلام
حرية التصرف في المال بشكل غير صحيح بأن نهى عن إتيان المال للسفهاء في قول اللهِ
سبحانه وتعالى: "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ
اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ
قَوْلًا مَّعْرُوفًا" (سورة النساء: 5). والمنع لسوء التدبير ولاستخدام المال في الفساد والإفساد، وبما يجلب الضرر
للسفيه وللإسلام والمسلمين.
على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم كانت المدينة تشيع فيها حرية الحوار والنقد والمراجعة من
كل المسلمين الأقوياء منهم والمستضعفين، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الدين
النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” ،(الراوي:
تميم الداري؛ المصدر: صحيح مسلم)، و فيما روي عن جرير بن عبدالله: ”بَايَعْتُ رَسولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ،
وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ،
والسَّمْعِ والطَّاعَةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ“ (الراوي: جرير بن
عبدالله؛ المصدر: صحيح البخاري). وشملت حرية النقد والمراجعة التصرفات الخاصة
والعامة، وحتى التدابير الإدارية. ومن الأمثلة على ذلك معارضة سيدنا عمر بن
الخطاب بشدة لصلح الحديبية الذي وقع مع قريش في السنة السادسة للهجرة وقال قولته: ”والله ما شككت منذ
أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم: فقلت يا رسول الله: ألست نبي
الله حقا، ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل، فعلام نعطي الدنيّة في دينا، ونرجع
ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا” (زاد المعاد)؛ ونقد نفر من الناس تولية أسامة
بن زيد على الجيش الذاهب لغزو الشام، وكان صغيرا لم يجاوز السابعة عشر من عمره،
ورد رسول الله - لما علم- على قولهم وذلك فيما روي عن عبدالله بن عمر أنه قال: ”أَمَّرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
أُسامَةَ علَى قَوْمٍ فَطَعَنُوا في إمارَتِهِ، فقالَ: إنْ تَطْعَنُوا في
إمارَتِهِ فقَدْ طَعَنْتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلِهِ، وايْمُ اللَّهِ لقَدْ
كانَ خَلِيقًا لِلْإِمارَةِ، وإنْ كانَ مِن أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وإنَّ هذا
لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ بَعْدَهُ” (الراوي: عبدالله بن
عمر؛ المصدر: صحيح البخاري)؛ ونقد الأنصار لسياسة توزيع غنائم حنين بعد غزوة
أوطاس وتطيب النبي صلى الله عليه وسلم لخاطرهم في مشهد لن يجود الزمان بمثله. وما
حدث في واقعة تقسيم غنائم هوازن صورة من صور حرية النقد التي يرويها التاريخ،
بالرغم ما بها من شطط وإفتراء. يقول جابر بن عبدالله في هذه الواقعة: "كانَ
رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالجِعرانةِ وَهوَ يقسِمُ التِّبرَ
والغَنائمَ وَهوَ في حِجرِ بلالٍ فقالَ رجلٌ اعدِل يا محمَّدُ فإنَّكَ لم تعدِلْ
فقالَ ويلَكَ ومَن يعدلُ بعدي إذا لم أعدِلْ فقالَ عمرُ دعني يا رسولَ اللَّهِ
حتَّى أضربَ عنُقَ هذا المُنافقِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
إنَّ هذا في أصحابٍ أو أُصَيحابٍ لَه يقرءونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقيَهُم
يمرُقونَ منَ الدِّينِ كما يمرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميَّةِ”،(الراوي: جابر بن
عبدالله؛ المصدر: صحيح ابن ماجه). وقد أعطى الإسلام للإنسان حرية
الفكر، وحرية القول، وحرية العمل، لكن دون ضرر أوضرار، في قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، (الراوي: أبو سعيد سعد بن سنان الخدري؛
المصدر: موطأ مالك).

تعليقات