من هي ذات ذات النطاقين؟ هي أسماء بنت أبي بكر الصديق (27 ق.هـ - 73
هـ / 595 - 692 م)؛ أمها قُتَيْلَة بنت عبد العزَّى بن سعد؛ صحابية من السابقين الأولين في الإسلام، فقد أسلمت
بمكة بعد سبعة عشر نفسًا؛ زوجة الزبير بن العوام، وأخت عائشة بنت أبي بكر زوجة
النبي محمد ﷺ من أبيها؛ كانت أسنَّ من السيدة
عائشة رضي الله عنها ببضع عشرة سنة. وهي أم عبد الله بن الزبير الذي
بويع له بالخلافة، و أول مولود للمهاجرين بالمدينة.
لماذ سميت بذات النطاقين؛ لأنها شقَّت نطاقها إلى نصفين، أما أحدهما
فكانت ترفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام سيدنا أبي بكر زضي الله عنه، حين خرجا
مهاجرين إلى يثرب التي سُميت فيما بعد بالمدينة المنورة، وأما الآخر فنطاق المرأة
التي لا تستغني عنه. فلما جاءت للنبي وقد شقت نطاقها قال لها: "أَبَدَلَكِ
اللَّهُ بِنِطَاقِكِ هَذَا نِطَاقَيْنِ فِي الْجَنَّةِ".
من مناقب السيدة أسماء وحصافتها وحسن حيلتها رضي الله عنها أنه لما
خرج سيدنا أبو بكر مهاجرًا مع النبي محمد ﷺ ليلة 27 صفر سنة 14 من البعثة النبوية،
الموافق 12 سبتمبر سنة 622م، وحمل معه ماله كله في تلك الليلة، ولم يترك في البيت
شيئَا. فجاء جدها أبو قحافة وهو مكفون البصر إلى البيت، يملا قلبه الشرك، فقال
لها: "إن هذا - يقصد أبا بكر - قد فجعكم بماله ونفسه"، فقالت: "كلا
يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا"، فعمدت إلى أحجار، فجعلتهن في كوة
البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذت بيده، ووضعتها على الثوب، وقالت: "يا أبت
ضع يدك على هذا المال"، فوضع يده عليه فقال: "لا بأس، إذا كان قد ترك
لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم".
لقد اوذيت في إسلامها منذ فجر الدعوة الأول، وتحملت في صبر وجلد في
سبيل نصرة الإسلام، ورغبة في عاقبة خير لها ولأهلها ولأهل مكة، وللناس كافة. فتحكي
وتقول: ولما خرج رسول الله ﷺ و أبو بكر مهاجرين أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن
هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم فقالوا: "أين أبوك يا ابنة أبي
بكر؟"، قلت: "لا أدري والله أين أبي"، فرفع أبو جهل يده وكان
فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي ثم انصرفوا".
تزوجت الصحابي الزبير بن العوام (أحد العشرة المبشرين بالجنة) قبل
الهجرة، وهو كما تقول: "ما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شي غير ناضح
(جمل يحمل عليه الماء لسقي الزرع،) وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء، وأخرز
غربه (أخيط دلوه) وأعجن، ولم
أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من
أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يومًا
والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: (إخ إخ).
ليحملني خلفه، قاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس،
فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى
رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال:
والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلي والدي أبو بكر
بعد ذلك خادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني". وتقول لما شكوت لأبي غيرة
الزبير، قال: "يَا بُنَيَّةُ اصْبِرِي فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَ لَهَا
زَوْجٌ صَالِحٌ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَلَمْ تَزَوَّجْ بَعْدَهُ جُمِعَ بَيْنَهُمَا
فِي الْجَنَّةِ.".
هاجرت السيدة أسماء إلى المدينة وهي حاملة بعبد الله بن الزبير،
فولدته بقباء في شوال سنة 1 هـ وقيل في سنة 2 هـ، فكان عبد الله أول مولود
للمهاجرين في المدينة، وقد استبشر المسلمون بمولده، حيث كانوا قد بقوا لفترة لا
يولد لهم مولود حتى قيل إن يهود المدينة سحرتهم. ثم حملته أمه في خرقة إلى النبي
محمد ﷺ ، فحنّكه بتمرة وبارك عليه وسماه عبد الله باسم جده أبي بكر، وأمر أبا بكر
أن يؤذن في أذنيه.
شهدت أسماء معركة اليرموك مع زوجها الزبير، قال أبو واقد الليثي:
«وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ الزُّبَيْرِ. قَالَ: فَسَمِعْتُهَا
وَهِيَ تَقُولُ لِلزُّبَيْرِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنْ كَانَ
الرَّجُلُ مِنَ الْعَدُوِّ لَيَمُرُّ يَسْعَى فَتُصِيبُ قَدَمَهُ عُرْوَةُ
أَطْنَابِ (حبلٌ يُشَدُّ به الخِباء والسُّرادق ونحوهما) خِبَائِي فَيَسْقُطُ
عَلَى وَجْهِهِ مَيِّتًا مَا أَصَابَهُ السِّلاحُ."، وأنجبت أسماء من الزبير
بعد مولد عبد الله أربعة أبناء وثلاثة بنات: عاصم، والمهاجر، وعروة، والمنذر،
وخديجة الكبرى، وأم الحسن، وعائشة، وكان آخر أبنائها عروة؛ حيث وُلد في خلافة عمر
بن الخطاب سنة 23 هـ.
ثم طلقها الزبير وأخذ عروة وهو يومئذ صغير، واختلفوا في سبب طلاقها،
فقيل: إن عبد الله قال لأبيه: "مثلي لا توطأ أمه! فطلقها". وقيل: "إن
الزبير ضربها فصاحت بابنها عبد الله، فأقبل إليها، فلما رآه أبوه قال: أمك طالق إن
دخلتَ. فقال عبد الله: أتجعل أمي عرضة ليمينك؟! فدخل فخلصها منه". وقيل: "بل
اختصمت هي والزبير، فجاء عبد الله ليصلح بينهما، فقال الزبير: إن دخلت فهي طالق،
فدخلت فبانت". وظلت السيدة أسماء بعد طلقها عند ابنها عبد الله بن الزبير.
بُويع عبد الله بن الزبير بالخلافة سنة 64 هـ بعد وفاة يزيد بن
معاوية، واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، وبايعته الولايات كلها إلا بعض مناطق في الشام،
ولكن خلافته لم تمكث طويلًا، حيث استولى الأمويون على المدينة المنورة، وحاصره
الحجاج بن يوسف الثقفي بأمر من عبد الملك بن مروان في مكة، ونصب الحجاج المنجنيق
على جبل أبي قبيس، فتخاذل عنه معظم أصحابه.
ولما تفرق أصحابه عنه دخل عبد الله على أمه أسماء وقال لها: "يا
أماه قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير ومن ليس عنده أكثر من
صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟"، فقالت: "أنت
أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا
تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت
أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل
الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك في الدنيا! القتل أحسن!"، فقال: "يا
أماه أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني". قالت: "يا بني إن
الشاة لا تتألم بالسلخ إذا ذبحت، فامض على بصيرتك واستعن بالله". فقبّل
رأسها، وسألها الدعاء له، وانصرف عازمًا على مواصلة القتال. ولم تمض أيام حتى هجم
الجيش على مكة، فقاتل قتالاً شديدًا حتى قتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من
جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين للهجرة.
فدخلت أسماء مكة بعدما قتل ولدها، وكانت قد ذهب بصرها، فأرسل الحجاج
إليها، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها رسولًا يقول لها: "لتأتيني أو لأبعثن إليك
من يسحبك بقرونك"، فأبت وقالت: "والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني
بقروني"، فانطلق الحجاج إليها حتى دخل عليها، فقال: "كيف رأيتني صنعت
بعدو الله!"، فقالت: أسماء بنت أبي بكر رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك
آخرتك. لقد حدثنا رسول الله ﷺ أن في ثقيف
كذابًا ومبيرًا (الفاسد، الهالك لا خير فيه)، فأما الكذاب فرأيناه - تقصد المختار
الثقفي -، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه، فقام الحجاج عنها ولم يراجعها.
فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فكتب إلي الحجاج يلومه في مخاطبته
أسماء، وقال: "مالك ولابنة الرجل الصالح؟"، وأمره بإنزال عبد الله بن الزبير
من الخشبة. فأخذت جثمانه وغسلته وحنطته وكفنته وطيبته وصلت عليه، ثم دفنته، ثم
ماتت بعده بأيام.
كانت سخية النفس. يقول ابن الزبير: "ما رأيت امرأة قط أجود من
عائشة وأسماء، وجودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا
اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء فكانت لا تدخر شيئا لغدٍ". وتقول فاطمة
بنت المنذر: "إن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها". وكانت
تقول لبناتها ولأهلها: "أنفقن وتصدّقن ولا تنتظرن الفضل، فإنّكنّ إن انتظرتنّ
الفضل لم تُفضلن شيئًا، وإن تصدّقتنّ لم تجدن فقده".
كانت تقيه، فكانت إذا أصابها الصداع وضعت يدها على رأسها وتقول: "بَذَنبي
وَمَا يَغْفِرُ اللَّهُ أَكْثَرَ"، وأنها لمَّا أصبحت عجوز عمياء كانت تحرص
على الصلاة، فيقول الركين بن الربيع: "دَخَلْتُ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي
بَكْرٍ وَهِيَ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عَمْيَاءُ فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي وَعِنْدَهَا
إِنْسَانٌ يُلَقِّنُهَا: قُومِي. اقْعُدِي. افْعَلِي". كما كانت تحرص على لبس
اللباس الشرعي، فعن هشام بن عروة: "أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ
قَدِمَ مِنَ الْعِرَاقِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ
بِكِسْوَةٍ من ثياب مروية (ثياب مشهورة بالعراق، منسوبة إلى "مرو" قرية
بالكوفة) وقوهية (وقوهية: من نسيج "قوهستان" ناحية بخراسان) رقاق عتاق
(جيدة الحياكة) بعد ما كُفَّ بَصَرُهَا. قَالَ: فَلَمَسَتْهَا بِيَدِهَا ثُمَّ
قَالَتْ: أُفٍّ! رُدُّوا عَلَيْهِ كِسْوَتَهُ. قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ
وَقَالَ: يَا أُمَّهْ إِنَّهُ لا يَشِفُّ. قَالَتْ: إِنَّهَا إِنْ لَمْ تَشِفَّ
فَإِنَّهَا تَصِفُ. قال: فَاشْتَرَى لَهَا ثِيَابًا مَرْوِيَّةً وَقَوْهِيَّةً
فَقَبِلَتْهَا وَقَالَتْ: مِثْلَ هَذَا فَاكْسُنِي".
كانت شجاعة، فيروى في شجاعتها أنه لمَّا كثر اللصوص بالمدينة المنورة
في زمن والي المدينة سعيد بن العاص، اتخذت أسماء خنجرًا، كانت تجعله تحت رأسها،
فقيل لها: «ما تَصْنَعين بِهَذا؟". فقالت: "إِذا دَخَلَ عَلَيَّ لِصٌّ
بَعَجْتُ بَطْنَه". كما كانت من معبَّري الرؤى، وأنها أخذت ذلك عن أبيها، وأخذ
سعيد بن المسيب تعبير الرؤى عنها.
كانت راوية للحديث، فقد اتفق لها البخاري ومسلم على ثلاثة عشر
حديثًا، وانفرد البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم بأربعة، وروى لها أحمد بن حنبل ثمانين
حديثًا في مسنده، وروى لها بقي بن مخلد ثمانية وخمسين حديثًا.

تعليقات