غَسِيلُ الملائكة هو حنظلة بن
أبي عامر الأنصاري الأوسي، من المدينة المنورة. والده هو أبو عامر الراهب ظل على
الشرك، وكان من ألدّ أعداء الإسلام.
تزوج حنظلة من جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، فأُدْخِلَت عليه
في الليلة التي في صبحها قتال أحُد، وكان قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يبيت عندها فأذن له. فلما بات عندها اجنب منها. فلما اصبح سمع صوت المنادي
ينادي للجهاد، لبى مسرعا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد أن خرج إلى الجهاد أرسلت زوجته جميلة إلى أربعة من قومها
فأشهدتهم أنه قد دخل بها، وعرش عليها.
فقيل لها بعد أن استشهد في سبيل الله: لِمَ أشهدت عليه؟
قالت: رأيت كأن السماء فرجت فدخل فيها حنظلة ثم أطبقت، فقلت: هذه
الشهادة، فأشهدت عليه أنه قد دخل بها، صونا لشرفها وعغتها، وقطعا لألسنة المرجفين
والذين في قلوبهم مرضا من النيل من سمعتها وطهرها.
في المعركة التقي حَنْظَلةُ بنُ أبي عامرٍ هو وأبو سُفيانَ بنُ حَربٍ
فلمَّا استعلاه حَنظلة وكاد أن يقتلهُ رآه شدَّادُ بنُ الأسودِ فعلاه شدَّادٌ
بالسَّيفِ حتَّى قتَله. ولما استشهد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكُم
تُغَسّله الملائكة (رواه عبد الله بن الزبير). فسألوا صاحبته (زوجته: جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول)
فقالت: إنه خرج لمّا سمع الهائعة (الصَّوت المفزع وهو منادي الجهاد،
أي: سمع منادي النبي يدعو للخروج للجهاد) وهو جنبٌ. فصدق رسول الله نبيا من
المرسلين، لما قال صلى الله عليه وسلم: غسَّلتْه الملائكة (المصدر : تخريج صحيح
ابن حبان).
وذكر السهيلي نقلاً عن الواقدي وغيره أن حنظلة رضي الله عنه بُحِثَ
عنه في القتلى فوجدوه يقطر رأسه ماء، وليس بقربه ماء، تصديقاً لقوله صلى الله عليه
وسلم: (إن صاحبكُم تُغَسّله الملائكة). وتغسيل الملائكة لحنظلة رضي الله عنه من
باب الفضل والكرامة له، قال المناوي: "وكفى (غسل الملائكة لحنظلة) بهذا
شرفاً، و هذا لا ينافيه الأخبار الناهية عن غُسل الشهيد، لأن النهي وقع للمكلفين
من بني آدم".
بعد انتهاء غزوة أحد ذهب النبي صلى الله عليه وسلم يتفقّد أحوال
الجرحى والشهداء، فرأى كثيراً من خيرة أصحابه قد فاضت أرواحهم في سبيل الله، منهم
حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وحنظلة
بن أبي عامر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. يروي عبد الله بن جابر عن النبي
فيقول: كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَجْمَعُ بيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِن
قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ يقولُ: أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذًا
لِلْقُرْآنِ، فَإِذَا أُشِيرَ له إلى أحَدِهِما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وقَالَ:
أنَا شَهِيدٌ علَى هَؤُلَاءِ يَومَ القِيَامَةِ، وأَمَرَ بدَفْنِهِمْ في
دِمَائِهِمْ، ولَمْ يُغَسَّلُوا، ولَمْ يُصَلَّ عليهم. (المصدر:
صحيح البخاري).
هؤلاء السابقون الاولون من المسلمين كانوا فخرا لاهليهم وقبائلهم ولنا
وللاجيال من بعدنا حتى تقوم الساعة. فهاهي الأوْس والخزرج تفتخرا بالرجال من
أبنائهما الذين أبلوا في الإسلام بلاء حسنا، والذين،تفردوا بما لم يتفرد به غيرهم
من المسلمين. فعن أنس رضي الله عنه قال: "افتخرَ الحيَّانِ منَ الأوسُ والخزرجُ فقالتِ الأوسُ منَّا
غَسيلُ الملائِكةِ (حنظلةُ بنُ الرَّاهبِ) ومنَّا منِ اهتزَّ لهُ عرشُ الرَّحمنِ (سعد بن معاذ) ومنَّا من
حَمتهُ الدَّبَرُ
(عاصمُ بنُ ثابتِ بنِ الأقلحِ) ومنَّا من أجيزَت شَهادتُه
بشَهادةِ رجلينِ (خُزيمةُ بنُ ثابتٍ). و قال، أي: أنس بن مالك، فقال الخزرجيُّونَ:
منَّا أربعةٌ جمعوا القرآنَ لم يجمَعهُ أحد غيرُهم زيدُ بنُ ثابتٍ وأبو زيدٍ
وأبيُّ بنُ كعبٍ ومعاذُ بنُ جبلٍ(المصدر: تاريخ دمشق).
شارك حنظلة في الجهاد في أحد ونال الشهادة، رفعة له ولدينه. فالجهاد أعلى ما في الإسلام، أي: ذروةُ سنامِه
والذي قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروةُ سنامِ الإسلامِ الجهادُ في
سبيلِ اللهِ لا ينالُه إلا أفضلُهم (الراوي: أبو أمامة الباهلي؛ المصدر: النوافح
العطرة؛ خلاصة حكم المحدث: صحيح). و هو من الشهداء خواص الله عز وجل والمقربون من
عباده، وهم القدوة لمن أحب أن مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ مصدقا لقول اللع سبحانه تعالى: "وَمَنْ يُطِعِ اللهَ
وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ
رَفِيقًا" (النساء: 69). وهو ممن صدقوا ما عهدوا الله عليه، ايمانا ويقينا
بقول الله: "مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب:23 ). وهو ممن باعوا أنفسهم وأمولاهم لله
ثمنا لجنة عرضها السموات والارض، فقاتلوا في سبيل الله فقتلوا وقتلوا، فكان جزاؤهم
أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وصدق فيهم قول الله سبحانه وتعالى: و"لا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران:169)، وقوله: "إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ
وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ
وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ
وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي
بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ١١١" (سورة التوبة:
111).
نسأل الله أن نكون منهم ومعهم، وصلى الله
على سيدنا محمد صلى الله عليه وأهله وسلم.

تعليقات