الفارسة الملثمة هي خولة بن الأزور بن مالك
الأسدية. ولدت في مكة المكرمة. فاقت
شجاعتها رجال عصرها. عرفت بالشجاعة والبسالة؛ وحب أخيها ضرار بن الأزور.
أسلمت مع أخيها بعد الفتح، وشاركت في العديد من الغزوات،
كحرب المرتدين، وفتوح الشام.
كان ضرار فارسا شجاعا، يقبل على الموت إقباله على الحياة،
لا يهاب عدوا، ولا يفر من القتال. أمره سيدنا خالد بن الوليد بقيادة جيش المسلمين
إلى الشام، فلبى النداء، عاقد العزم على النصر أو الشهادة. اصطحب معه أخته خولة،
فشاركت مع النساء المجاهدات في المعارك ضد الروم ما بين السقاية وتضميد الجرحى.
لما اشتد وطيس المعركة وقعت هي ومجموعة من النساء في الأسر في ايدي الروم.
انتفضت خولة لأسرها ولأسر المسلمات من أهلها وقومها، وصاحت بهن:
"يا بنات العم إن الريح مواتية وإن فرصة الخلاص لتبدو لنا، فها قد حان وقت
العمل وإن الموت لأشرف لنا من فضيحة تلحق بنا في آخر الزمان. علينا أن نحمل حملة
صادقة تذهل العدو، فننجو أو نستشهد في سبيل الله. خذن أعمدة الخيام والأوتاد في
أيديكن ولنحمل معا على هؤلاء الحراس، ولنتماسك، ولنتكاتف، ولا تكن بيننا ثغرة
ينفذ إلينا منها أحد. أشددن معي، والله معنا والله أكبر".
فاستجابت لها المجاهدات الأسيرات، فاقتلعن الأعمدة والأوتاد
من الخيام، وهجمن على الحراس، فقتل منهم من قتل، وفر من فر، وعادت النساء وعلى
رأسهن الفارسة المجاهدة إلى صفوف المسلمين.
ومن
مواقفها البطولية التي عرفت واشتهرت بها وذاع خبرها بين الناس، ما قامت به لإنقاذ أخاها من الأسر؛ حيث تنكرت بزي فارس، وهرعت إلى نجدة
أخيها، تجندل بسيفها كل من تقابله من جند الروم، فدب الهلع في صفوفهم من هول ما
رأوا من بسالة هذا الفارس الصنديد. أعجب المسلمون بهذا الفارس وظنوا أنه خالد بن
الوليد. اما خالد لما رأي من شجاعة هذا الفارس وعبقريته في الجهاد، توجه إليه
ليكشف عن هويته، فقال الفارس: "أيها الأمير إني لم أعرض عنك إلا حياء منك؛
لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور، وبنات الستور؛ وإنما حملني على ذلك أنني
محرقة الكبد زائدة الكمد، أنا خولة بنت الأزور، أتاني خبر أسر أخي فركبت وفعلت ما
فعلت". وهناك صاح خالد بن الوليد في جنده فحملوا على الروم، وحملت معهم
وبقيت في جهادها حتى استنقذت أخاها من الروم.
كانت خولة ممن يعرفن بالذكاء والفطنة والجرأة والشجاعة
والبسالة والكرامة والقوة. فكانت مثلا يحتذى به من جانب النساء. وكانت يعرف عنها فصاحت اللسان والبيان، فكانت
تقرض الشعر. ومما قالته من جزيل العبارة ودقة البيان في رثاء أخيها بعد أن مات
بطاعون عمواس:
|
أبـعـد أخي تلذ الغمض عيني |
فـكـيـف يـنام مقروح الجفون |
|
سـأبـكـي مـا حييت على شقيق |
أعـز عـلي مـن عـيني اليمين |
|
وإنـا مـعـشـر مـن مـات مـنـا |
فـليـس يـمـوت موت المستكين |
|
وقالوا لم بكاك فقلت مهلا |
أما أبكي وقد قطعوا وتيني |
توفيت خولة بنت الأزور سنة ستمائة وتسعة وثلاثين، ودفنت في
البلقاء.

تعليقات