أسلم عمران بن حصين هو وأبوه وأبو هريرة في وقت واحد سنة 7 هـ، في
عام خيبر، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام والجهاد. شارك في العديد من الغزوات مع سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم، بما في ذلك غزوة الفتح حيث كان حامل راية قبيلة خزاعة. لم يكن
قائدًا في الغزوات، بل كان صحابيًا جليلًا وقارئًا معروفًا للقرآن وقاضيًا وراويًا
للحديث، اشتهر بتقواه وعبادته الشديدة. لم يركز على الشؤون العسكرية بل على
العبادة. كان زهدا، وورعا، متفانيا في حب الله وطاعته، وكان له من توفيق الله ونعمة
الهدى الشيئً الكثير. ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي،ويبكي، ويقول: يا ليتني كنت
رماداً، تذروه الرياح. فهو من الرجال الذين لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون
من ذنب، فقلما كانت لهم بعد إسلامهم ذنوب.... إنما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر
إدراكهم لعظمته وجلاله، وبقدر إدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، مهما يضرعوا،
ويركعوا، ومهما يسجدوا ويعبدوا....
يروي أبو هريرة فيقول: قلنا يا رسولَ اللهِ إنَّا إذا كنَّا عندَك
رقَّتْ قلوبُنا وكنَّا مِن أهلِ الآخرةِ وإذا فارَقْناك أعجَبَتْنا الدُّنيا
وشمَمْنا النِّساءَ والأولادَ فقال: "لو تكونونَ على كلِّ حالٍ على الحالِ
الَّذي أنتم عليه عندي لَصافَحَتْكم الملائكةُ بأكُفِّكم ولو أنَّكم في بيوتِكم
ولو لَمْ تُذنِبوا لَجاء اللهُ بقومٍ يُذنِبونَ كي يغفِرَ لهم"، قال :
قُلْنا: يا رسولَ اللهِ حدِّثْنا عنِ الجنَّةِ ما بِناؤُها ؟ قال: "لَبِنةٌ
مِن ذهَبٍ ولَبِنةٌ مِن فِضَّةٍ مِلاطُها (الطين الذي يُبنى به الجدران، المادة
التي تُخلط بها وتُلصق بها الأشياء، مثل طين يُلصق به الحائط) المِسْكُ الأَذفَرُ
وحَصْباؤُها اللُّؤلؤُ أوِ الياقوتُ وتُرابُها الزَّعفرانُ مَن يدخُلُها ينعَمُ
فلا يبؤُسُ ويخلُدُ لا يموتُ لا تَبْلَى ثيابُه ولا يَفْنَى شَبابُه ثلاثةٌ لا
تُرَدُّ دعوتُهم الإمامُ العادلُ والصَّائمُ حينَ يُفطِرُ ودعوةُ المظلومِ تُحمَلُ
على الغَمامِ وتُفتَحُ لها أبوابُ السَّمواتِ ويقولُ الرَّبُّ : وعِزَّتي
لَأنصُرَنَّكِ ولو بعدَ حينٍ" (المصدر : صحيح ابن حبان؛ خلاصة حكم المحدث
(المحدث ابن جيان) : أخرجه في صحيحه).
لما سمع عمران بن حصين هذا الحديث، اشتعلت اشواقه...و آلى على نفسه
ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته ساعةً...وساعة..فأراد أن تكون
كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لرب العالمين...!! فقد ورد عنه أنه قال
لمطرف: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بهِ: إنَّ رَسولَ
اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ جَمع بيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ
يَنْهَ عنْه حتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ فيه قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَقَدْ كانَ
يُسَلَّمُ عَلَيَّ (أي تسلم الملائكة علي)، حتَّى اكْتَوَيْتُ، فَتُرِكْتُ، ثُمَّ
تَرَكْتُ الكَيَّ فَعَادَ (المصدر : صحيح مسلم؛ خلاصة حكم المحدث : [صحيح). وفي
سنن أبي داود عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: أنَّ رسولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي . قال : فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا ولا
أنجحنا (المصدر : سنن أبو داود؛ خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح). قَالَ أَبُو
دَاوُدَ -رحمه الله-: وَكَانَ يَسْمَعُ تَسْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا
اكْتَوَى انْقَطَعَ عَنْهُ فَلَمَّا تَرَكَ رَجَعَ إِلَيْهِ.
و في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله إلى البصرة ليفقّه
أهلها ويعلمهم...و في البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به،
ويستضيئون بتقواه...قال الحسن البصري وابن سيرين: [ما قدم البصرة من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ يَفضل عمران بن حصين...] كان عمران يرفض أن يشغله عن
الله وعبادته شاغل، واستغرق في العبادة، واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي
إلى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها.. أجل...صار كأنه ملك يحيا بين
الملائكة، يحادثهم ويحادثونه...و يصافحهم ويصافحونه...
و لما وقع النزاع الكبير بين المسلمين...بين فريق علي و فريق معاوية
لم يقف «عمران بن حصين» موقف الحيدة فحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعياً
إياهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضناً قضية السلام خير محتضن..و راح
يقول للناس: [لأن أرعى أعنزاً حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحب إلي من أن
أرمي في أحد الفريقين بسهم،أخطأ، أم أصاب] و كان يوصي من يلقاه من المسلمين
قائلاً: [الزم مسجدك... "فإن دُخل عليك، فالزم بيتك... فإن دَخَل عليك بيتك
من يريد نفسك ومالك فقاتله] وحقق إيمان «عمران بن حصين» أعظم نجاح، حين أصابه مرض
موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضَجر منه ولا قال:أف... بل إنه كان مثابراً على
عبادته قائماً، وقاعداً، وراقداً... و كان إذا هوّن عليه إخوانه وعواده أمر علته
بكلمات مشجعة، ابتسم لهم وقال: «إن أحب الأشياء إلى نفسي، أحبها إلى الله».
وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت: إذا رجعتم من دفني،
فانحروا و أطعموا. أجل..لينحروا...وليطعموا...فموت مؤمن مثل «عمران بن حصين» ليس
موتاً... إنما هو حفل زفاف عظيم، ومجيد تُزَّف فيه روحٌ عالية راضية إلى جنة عرضها
السماوات والأرض أعدت للمتقين.

تعليقات