الرحمة هي: "رقة القلب وعطفه، ورحمة الله، وإحسانه،
ورزقه" (ابن منظور)، أو هي: "رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتستعمل
تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة، نحو رحم الله
فلاناً" (الراغب الأصفهاني). والرحمة صفة من صفات الخالق عز وجل. ومن الرحمة
اشتق اسم الرحمن (القرطبي). وقد ورد ذكر الرحمة ومشتقاتها في القرآن الكريم في نحو
مائتين وثمانية وستين موضعاً، مما يدل على أهميتها وعناية الإسلام بها كخلق من
الأخلاق التي يدعو لها ويحث عليها. ومن عناية الله بالرحمة أنه قرنها بالإيمان،
أي: من دلائل الإيمان الكامل. وفي نفس الوقت حذّرنا الله سبحانه وتعالى من قسوة
القلوب. وفوق هذا وذاك، أوصانا الله في كتابه الكريم برحمة ذوي القربى، واليتامى،
والمرضى، والخدم؛ لكون هذه الفئة من الضعفاء في حاجة إلى المزيد من العناية
والرحمة. ولا تقتصر الرحمة في الإسلام على الإنسان، وإنما تتعداه إلى الرحمة
بالحيوانات. ومن أهمية الرحمة أنها تجمع الناس على المودة، وتحقق لهم العيش في
سعادة وسلام وأمن، وتهديهم إلى طريق الإحسان، وتجلب لهم رضا الله، وتكفر عنهم
كبائر المعاصي والآثام.
ومن آيات الرحمة في القرآن قول الله سبحانه وتعالى: "قُل
لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ
ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ
ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ" )سورة الأنعام 12(؛ وقوله: "وَإِذَا جَآءَكَ
ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ
عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَة
ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُور رَّحِيم" (سورة الأنعام
54)؛ وقوله: "وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ
وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ
قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ"، (سورة الإسراء 133). وفي هذه الآيات بلاغ لمن في السموات
والأرض وللمؤمنين أن الله بهم رحيم في ليلهم ونهارهم وفي كل شأن من شئون حياتهم.
ومن رحمة الله على المؤمنين أن حرم عليهم قتل أنفسهم في قوله: "يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ
إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاض مِّنكُمۡۚ" (سورة النساء 29)؛ وأن
بعث فيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وذلك في قوله سبحانه
وتعالى: "وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَة لِّلۡعَٰلَمِينَ١٠٧" (سورة
الأنبياء 107). وحث الله المسلمين على إشاعة الرحمة داخل الأسرة، لإنها اللبنة
الأساس لبناء المجتمع المتراحم، وجعلها ركناً من أركان العلاقة الزوجية، وذلك في
قوله سبحانه وتعالى: "وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ
أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّة
وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰت لِّقَوۡم يَتَفَكَّرُونَ" (سورة
الروم 21). كذلك أمر الله المسلمين برحمة الآباء والأمهات؛ فهم سبب وجودهم بعد
الله سبحانه وتعالى، وهم من قاموا على تربيتهم حتى اشتد عودهم واستقلوا بذواتهم،
وذلك في قوله سبحانه وتعالى: "وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ
ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا" (الإنعام 24).
وتجلت
الرحمة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته للتخلق والتعامل بها في
قوله: "مَن لا يَرْحَمِ النَّاسَ، لا يَرْحَمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"
(الراوي: جرير بن عبدالله؛ المصدر: صحيح مسلم)؛ وفي إرشاده المسلمين إلى ما يُنشئ
فيهم التَّراحُمَ والحبَّ والعاطفةَ، حيث قال: "مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم،
وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ
سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى" (الراوي:النعمان بن بشير؛ المصدر:
صحيح الجامع)؛ وفي جعل الرحمة أدباً من الآداب الاجتماعية التي يتعامل بها أفراد
المجتمع في قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهُمَّ مَنْ ولِيَ من أمْرِ أُمَّتِي
شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشْقُقْ علَيهِ، ومَنْ ولِيَ من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ
بِهمْ فارْفُقْ بِهِ" (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر: صحيح الجامع)؛ وفي
حثه على الرحمة والسماحة في البيع والشراء لما فيهما من خير كثير وأثر عظيم في
تماسك المجتمع في قوله: "رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى،
سمحاً إذا اقتضى" (الراوي: جابر بن عبد الله؛ المصدر: صحيح البخاري)؛ وفي
رحمته بإمته بإرشاد ضالهم وتقديم العون لضعيفهم وتعليم جاهلهم والعفو عن مسيئهم
ورعاية حالهم حتى قال: "إنِّي لأقومُ إلى الصَّلاةِ وأنا أريدُ أن
أطوِّلَ فيها، فأسمعُ بُكاءَ الصَّبيِّ
فأتجوَّزُ كراهيةَ أن أشقَّ على أمِّهِ" (الراوي: ابو قتادة؛ المصدر: صحيح أبي داود)؛
وفي رحمته بالأطفال يالمزاح معهم وملاطفتهم والإحسان فيها، فأسمعُ بكاءَ الصَّبيِّ
فأتجوَّزُ كراهيةَ أن أشقَّ على أمِّهِ" (الراوي: أبو قتادة؛ المصدر: صحيح أبي داود)؛ وفي رحمته بالأطفال بالمزاح معهم
وملاطفتهم والإحسان إليهم. وقد سجلت السنة النبوية رحمته بأحرف من نور في الحديث
الذي روته أم المؤمنين السيدة عائشة، ونصه أن "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى
النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فرأى النبي يقبِّل الحسن أو الحسين -
فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فما نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم: أوَ أَمْلِكُ لكَ أنْ نَزَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِكَ
الرَّحْمَةَ" (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر: صحيح البخاري)، وفيما روي
عن أسامة ابن زيد أنه قال: "كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
يَأْخُذُنِي فيُقْعِدُنِي علَى فَخِذِهِ، ويُقْعِدُ الحَسَنَ علَى فَخِذِهِ
الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يقولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُما؛ فإنِّي
أرْحَمُهُمَا" (الراوي :أسامة بن زيد؛ المصدر: صحيح البخاري). ولم تقتصر رحمة سيدنا رسول الله على
أصحابه وأهل بيته بل شملت أعداءه، وما قبوله لاعتذار الشعراء الذين هجوه قبل
إسلامهم، مثل: كعب بن زهير وعبد الله بن الزبعري السهيمي إلا آية من آيات رحمته؛
وشملت المخلوقات عامة ومنها الحيوانات، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"بينَما رجلٌ يمشي بِطريقٍ اشتَدَّ بهِ العَطشُ ، فوجدَ بئرًا فنزلَ فيها ،
فشرِبَ ثمَّ خرجَ، فإذا كلبٌ يلهَثُ، يأكُلُ الثرَى من العَطشِ، فقال الرَّجُلُ:
لقد بلغَ هذا الكلبُ من العَطشِ مِثلَ الَّذي كان بلغني، فنزلَ البِئرَ فملأَ
خُفَّهُ ثمَّ أمسكَه بفيِه فسَقَى الكلبَ فشكرَ اللهُ لهُ، فغَفرَ لهُ . قالوا:
يا رسولَ اللهِ و إنَّ لنا في البهائمِ أجرًا؟ قال: في كُلِّ كَبِدٍ رطبةٍ
أجرٌ" (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح الأدب المفرد)؛ وقد روي عن سهيل
ابن الحنظلية الأنصاري أن: "مر رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
ببعيرٍ قد لحِقَ ظهرُهُ ببطنِهِ فقال: اتَّقوا اللَّهَ في هذهِ البهائمِ
المَجْهُودَةِ فاركبوها صالحةً وكلوها صالِحَةً" (الراوي: سهل ابن الحنظلية
الأنصاري؛ المصدر: هداية الرواة). والسنة النبوية حافلة بالكثير والكثير عن رحمة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يفيض به من رحمته"، حقا إنه رحمة
للعالمين.
تعليقات