ولدت هند بنت عتبة قبل الهجرة، وتوفت في 14 هـ. أبوها عُتَبة بن
ربيعة العبشمي القرشي الكناني، سيد من سادات قريش وبني كنانة. وأمها صفية
بنت أمية بن حارثة بن الأوقص من بني سليم. قتل أبوها عتبة بن ربيعة، وعمها شيبة بن
ربيعة، و أخوها الوليد بن عتبة في يوم بدر. عرفت بحكمته وسداد رأيه، فذاعت شهرتها
قبل الإسلام وبعدهُ.
تزوجت هند في الجاهلية من حفص بن المغيرة القرشي، وأنجبت منه ابنها
أبان بن حفص (جمهرة أنساب العرب نویسنده: ابن حزم مجلد: 1 صفحه: 77). ثم تزوجت الفاكه بن
المغيرة المخزومي القرشي ثم طلقت منه عندما رماها في سمعتها، وجعل الناس تخوض في
أمرها.
ولطلاق هند من الفاكهة قصة طريفه، تحكيها كتاب التراث، وتجري على
ألسنة الكثير من رجال الدين، ممن له شهرة وسمعة ملأت الأفق. فتحكي الرويات أنه كان
للفاكه بن المغيرة بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن، فقام يوماً في ذلك البيت،
ومعه زوجته. ثم خرج عنها وتركها نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت فلما وجد
المرأة نائمة ًولى عنها. فنظره الفاكه بن المغيرة، فدخل على هند وأنبهها، وقال: من
هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحداً قط. قال:
الحقي بأبيك. وخاض الناس في أمرهم، ولاكوا اسمه وسمعته بألسنتهم.
فقال لها أبوها: يا بنية: أنبئيني شأنك، فإن كان الرجل صادقاً دسست
عليه من يقتله فينقطع عنك العار، وإن كان كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن: قالت:
والله يا أبت إنه لكاذب.
فخرج عتبة، فقال: إنك رميت ابنتي بشيء عظيم، فإما أن تبين ما قلت،
وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن. قال الفاكهة: ذلك لك. فخرج الفاكه في جماعة من
رجال قريش، ونسوة من بني مخزوم، وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف. فلما
شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند، وكسف بالها. فقال لها أبوها: أي بنية، ألا كان
هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا؟ قالت: يا أبت، والله ما ذلك لمكروه قبلي،
ولكنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب. فقال
لها أبوها: صدقت، ولكني سأخبره لك. فصفر (خلا به) بفرسه، فلما أدلى، عمد إلى حبة
بر فأدخلها في إحليله، ثم أوكى (اشتدَّ عَدْوُه أو أمره) عليها وسار.
فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم. فقال له عتبة: إنا أتيناك في
أمر قد خبأنا لك خبية، فما هي؟ قال: ثمرة في كمرة. قال: أريد أبين من هذا. قال:
حبة بر في إحليل مهر. قال: صدقت فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يمسح رأس كل
واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك، حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها، وقال:
قومي غير رسحاء (قليلة لحم العَجُز و الفخذين) ولا زانية، وستلدين ملكاً سمى
معاوية.
فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها فنترت يده من يدها، وقالت: والله لأحرصن
أن يكون ذلك الولد من غيرك.
ترددت كثيرا في سرد هذه القصة في الحديث عن هند، لكن انتهى بي الامر
بسردها كما جاءت بكتب التراث وعلى السنة علماء بلغت شهرتهم الأفق. القصة تدغدغ
المشاعر، وتأخذ بألباب القلوب، فما أن يسمعها الناس حتى تسمع صيحات الله أكبر،
تصحبها الصلاة على النبي. في ضجيج هذه المشاعر، يتوارى التفكير، وتنذوي آيات سطرها
الله في كتابه الكريم، في وسط هذا الهجوم الكاسح من العواطف الساحرة للعقول
والقلوب. هذه القصة غنية بالانحرافات العقائدية. فمحور القصة أن الكاهن يعلم
الغيب، والغيب ببساطة لا يعلمه أحد من العالمين: أنس أو جن، ولكن الله اختص به
نفسه. فقد انبانا الله سبحانه وتعالى في قول جل في علاه: "فَلَمَّا قَضَيۡنَا
عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ
تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ
يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ١٤، سورة سباء: 14.
فهذه الاية توضح لكل من ألقى السمع وهو شهيد أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما
لبثوا في العذاب المهين. ولوكان أحد يعلم الغيب من البشر، لكان أولى الناس بعلم
الغيب سيدنا رسول الله، الذي يحكي القرآن على لسانه فيقول: "قُل لَّآ
أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ
أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ
إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ١٨٨:، الأعرف: 188.
فلا الجن ولا الإنس ولا احد من العالمين يعلم الغيب، فعلم الغيب اختص الله به ذاته
في قوله سيحانه وتعالى:"قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ
ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ٦٥، سورة النمل:
65.
نعود إلى سيرة هند، نحكي ما حدث معها بعد طلاقها من الفاكة، تذكر
الرويات أنها قالت لأبيها: يا أبت، إنك زوجتني من هذا الرجل (الفاكهة) ولم تؤامرني
في نفسي، فعرض لي معه ما عرض فلا تزوجني من أحد حتى تعرض علي أمره. فخطبها سهيل بن
عمرو وأبو سفيان بن حرب. فاختارت أبو سفيان. ووهبهما الله من الأولاد معاوية بن
أبي سفيان، وأم الحكم بنت أبي سفيان، وجويرية بنت أبي سفيان، و عتبة بن أبي سفيان.
شهدت أحداً مع المشركين، ويروى أنها أكلت كبد سيدنا حمزة بن عبد
المطلب يوم احد، وانها هي من أجرت وحشيًّا لقتله. لكن هذه الراوية لم تثبت رغم
أنها تجري على الألسنة، وتضمها بين دفتيها كتب مدرسية في العديد من البلاد
الإسلامية. لكن الثابت هو الذي رواه البخاري في الصحيح؛ أن الذي أمر وحشيًّا بقتل
حمزة هو جبير بن مطعم انتقامًا لقتل عمه ببدر. فعن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري،
قال: "خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص، قال لي عبيد الله
بن عدي: هل لك في وحشي، نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم...". ثم قال على لسان
وحشي: "إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن
مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر..." إلى آخر القصة.
أسلمت هند يوم فتح مكة، وحَسُن إسلامها حسب مصادر أهل السنة
والجماعة، وفي يوم فتح مكة قالت هند لأبي سفيان: "إني أريد أن أُبايع محمدًا".
قال: "قد رأيتك تُكَذِّبِين هذا الحديث أمس!". فقالت: "والله ما
رأيت الله عُبِد حَقَّ عبادته في هذا المسجد قبل الليلة. والله إن باتوا إلا مصلين".
قال: "فإنك قد فعلت ما فعلت. فاذهبي برجل من قومك معك". فذهبت إلى عثمان
بن عفان، وقيل: إلى أخيها أبو حذيفة بن عتبة، فذهب معها فاستأذن لها فدخلت وهي
مُنْتَقبة، والرسول يقول: "تُبَايِعِيْنِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكِي بِالله
شَيْئًا"، فلما قال: "وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ»، قالت هند: "وهل
تزني الحرة وتسرق؟" فلما قال: "وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ"،
قالت: "ربيناهم صغارًا وَقَتَلتَهم كبارًا". وشكت إلى رسول الله زوجها
أبا سفيان وقالت: "إنه شحيح لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها"،
فقال لها رسول الله: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيْكَ
وَوَلَدَكِ"، وقال أبو سفيان: "فما أصبت من مالي فهو حلال لك" [صحيح
مسلم - 1714].
شهدت هند معركة اليرموك ضمن جيش المسلمين، وكانت تحرض المسلمين على
قتال الروم مع زوجها أبي سفيان وهي تقول: "عضدوا (قوي صفوفك) الغلفان (ضرب
الأعداء) بسيوفكم".
رُوي أن الخليفة عمر بن الخطاب نهى أبا سفيان بن حرب عن رش باب منزله
لئلا يمر الحجاج فيزلقون فيه فلم ينته. ومر عمر فزلق ببابه فعلاه بالدرة وقال:"ألم
آمرك أن لا تفعل هذا" فوضع أبو سفيان سبابته على فيه فقال عمر: "الحمد
لله الذي أراني أبا سفيان ببطحاء مكة أضربه فلا ينتصر وآمره فيأتمر"، فسمعته
هند بنت عتبة فقالت: "أحمده يا عمر فإنك إن تحمده فقد أوتيت عظيماً".
لما ولى عمر بْن الخطاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاه من الشام خرج إليه
معاوية، فقال أبو سفيان بن حرب لزوجته هند: "كيف ترين صار ابنك تابعا لابني"،
فقالت: "إن اضطرب حبل العرب، فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني"،
فمات يزيد بالشام، فولى عمر معاوية موضعه، فقالت هند لمعاوية: "والله يا بني
إنه لقل ما ولدت حرة مثلك، وقد استنهضك هذا الرجل، فاعمل بموافقته أحببت ذلك أم
كرهت"، وقال له أبو سفيان: "يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا،
وتأخرنا، فرفعهم سبقهم، وقصر بنا تأخرنا، فصاروا قادة، وصرنا أتباعا، وقد ولوك
جسيما من أمورهم، فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافس فيه، فإن بلغته أورثته
عقبك".
زار أبو سفيان معاوية بالشام، فلما رجع من عنده دخل على عمر. فقال:
أجزنا أبا سفيان. قال: ما أصبنا شيئاً فنجيزك منه. فأخذ عمر خاتمه، فبعث به إلى
هند، وقال للرسول: قل لها: يقول لك أبو سفيان: انظري إلى الخرجين الذين جئت بهما
فأحضريهما. فما لبث عمر أن أتي بخرجين فيهما عشرة آلاف درهم. فطرحهما عمر في بيت
المال. فلما ولي عثمان ردهما عليه. فقال أبو سفيان: ما كنت لآخذ مالاً عابه علي
عمر.
توفيت الصحابية هند بنت عتبة -رضي الله عنها- في خلافة عمر بن الخطاب
-رضي الله عنه- في سنة أربع عشرة للهجرة، في نفس اليوم الذي مات فيه أبو قحافة
والد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه (ابن العطار، كتاب العدة في شرح العمدة في
أحاديث الأحكام لابن العطار، صفحة 1554).

تعليقات