شهيدة البحر هي أم
حرام بنت ملحان أخت أم سليم بنت ملحان الأنصارية الخزرجية، وخالة أنس بن مالك،
وزوجة عبادة بن الصامت.
من أوائل المسلمات في المدينة، فقد كانت واختها
أم سليم وأخوها حرام بن ملحان و زوجها عبادة بن الصامت من بين الذين لقيهم رسول
الله من أهل يثرب لما عرض نفسه على القبائل القادمة من أنحاء الجزيرة العربية في
موسم الحج في مكة. وكانوا ممن شرح الله
صدورهم للإسلام وتشبعوا بروح القرآن، وآمنوا بالله ربًّا وبمحمد نبيًّا. وكانوا كلما
قرأ عليهم رسول الله آية أو سورة، صادفت في نفوسهم هوى وفي أفئدتهم تجاوبًا،
وصاروا يرددونه في مجالسهم، وينشرونه في أهل المدينة بعد عودتهم إلى ديارهم.
اتفق
العلماء على أن أم حرام كانت محرما له صلى الله عليه وسلم. واختلفوا في كيفية ذلك،
فقال ابن عبد البر وغيره : كانت إحدى خالاته من الرضاعة. وقال آخرون : بل كانت
خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى النجار. وقيل أيضا أن : أُمّ
حَرَام أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ ، وقد كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنْ الرَّضَاع , وَإِمَّا مِنْ
النَّسَب, فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَة بِهِمَا , وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا
خَاصَّةً , لا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء إِلا أَزْوَاجه (شرح
النووي على مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر).
كانت
تتسم بالشجاعة وحب الجهاد، فقد شاركت في معارك أحد وحنين والخندق والفتح والطائف
مع زوجها عبادة. وكانت من أهل العلم والفقه فقد حدث عنها أنس بن مالك وغيره.
عرفت
أم حرام بكرمها وطيبتها، وكانت لها هي وأختها الرميصاء مكانة خاصة لدى الرسول صلى
الله عليه وسلم، حيث كان بيتها من أحسن البيوت وأحبها إلى قلبه، فكان إذا ذهب إلى
قباء دخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: موطأ
مالك). وتروي كتب الحديث أن رسول رسولُ دخل عليها وهي تحت عبادة بن الصامت،
فأطعمتهُ وجلست تفلي رأسَهُ، فَنامَ رسولُ اللَّهِ، ثمَّ استيقظَ وَهوَ يضحَكُ،
قالت: فقُلتُ: ما يضحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ناسٌ من أمَّتي عُرِضوا عليَّ،
غُزاةً في سبيلِ اللَّهِ يركبونَ ثَبجَ هذا البحرِ، ملوكٌ على الأسرَّةِ، أو مثلُ
الملوكِ على الأسرَّة - شَكَّ إسحاقُ - فقلتُ : يا
رسولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أن يجعلَني منهم، فدعا لَها رسولُ اللَّهِ، ثمَّ
نامَ - وقالَ الحارثُ: فَنامَ - ثمَّ استيقَظَ فضحِكَ، فقلتُ لَهُ: ما يضحِكُكَ يا
رسولَ اللَّهِ ؟ قال: ناسٌ من أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّهِ
ملوكٌ على الأسرَّةِ، أو مثلُ الملوكِ على الأسرَّة - كما قالَ في الأوَّلِ -
فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أن يجعلَني منهم، قالَ: أنتِ منَ الأوَّلين
فرَكِبتِ البحرَ في زمانِ معاويةَ، فصُرِعَت عن
دابَّتِها حينَ خرجت منَ البحرِ، فَهَلَكَت" (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: صحيح البخاري).
وفي سنة سبع
وعشرين من الهجرة، طلب الصحابي معاوية بن أبي سفيان من الخليفة عثمان بن عفان رضي
الله عنهما أن يأذن له بالتوجه لفتح جزيرة قبرص، التي احتلها الرومان ومارسوا فيها
صنوف الإستبداد، لكن الخليفة عثمان بن عفان رفض ذلك خوفا على جيش المسلمين من خطر
ركوب البحر، وبعد إصرار من معاوية سمح له بذلك، واشترط عليه ألاّ يجبر أحدا من
المسلمين على الخروج معه في تلك الغزوة، وأن يترك لهم الخيار، وكانت أم حرام
وزوجها عبادة بن الصامت من ضمن من غامر بالخروج معه، رغم تقدّمها في السنّ، وعندما
ركبت البحر تذكّرت رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم فردّدت في سرّها “صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، هاهي نبوءتك تتحقق وها أنا
ذا أركب البحر لأغزو في سبيل الله“ وعندما نزلوا من البحر ركبت دابة فصرعتها، وهكذا نالت الصحابية
الجليلة شرف الشهادة في سبيل الله، حيث قال ابن الأثير في كتاب ” أسد الغابة ”
أنها دفنت هناك رضي الله عنها وأرضاها.
وتشير
بعض الروايات أنها دفنت في البقعة التي بنيت عليها مسجد ”لارنكا الكبير” ويعرف
باسم قبر المرأة الصالحة. وتم اكتشافه عام 1760م من قبل رجل يُدعى الشيخ حسن، كما
أنها روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم خمسة أحاديث. من الأحاديث التي روتها أم
حرام بنت ملحان عن الرسول: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِن أُمَّتي يَغْزُونَ البَحْرَ
قدْ أوْجَبُوا، قالَتْ أُمُّ حَرامٍ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ أنا فيهم؟ قالَ:
أنْتِ فيهم، ثُمَّ قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوَّلُ جَيْشٍ مِن
أُمَّتي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لهمْ، فَقُلتُ: أنا فيهم يا
رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا."، (الراوي: أم حرام بنت ملحان؛ المصدر: صحيح
البخاري).

تعليقات