الصحابي الذي اهتز لموته عرش الرحمن وشيعته الملائكة هو سعد بن معاذ
بن النعمان من بني عبد الأشهل الأوسي. سيد الأوس على حداثة سنه. والده معاذ بن
النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، زعيمًا عشيرة عبد الأشهل؛ و أمه هي
كبشة بنت رافع بن معاوية، من قبيلة الخزرج. تزوج من هند بنت سماك، وهي أرملة أخيه
أوس بن معاذ، و وهبه الله منها بابنين هما عمرو وعبد الله.
كان سعد بن معاذ رجلاً أبيضًا، طويلاً، جميلاً، حسن الوجه، واسع
العينين، حسن اللحية.
أسلم سعد بن معاذ قبل أن يجاوز الثلاثين سنة، على يد مصعب بن عمير
سفير النبي صلى الله عليه وسلم ــ في يثرب وداعيتها. وكان سعد بن معاذ قد جاء مصعب
متجهما مغضباً مزمجرا يريد زجره وثنيه عن دعوته. ولكن ما هي إلا كلمات يسيرة وآيات
مباركة من كتاب الله تلاها عليه مصعب بن
عمير المؤمن الحاق والداعية الصادق، حتى تبدل حال سعد بن معاذ رأساً على عقب، فدخل
في الإسلام، وأصبح إلى جانب مصعب من أعظم دعاة الإسلام، وفتح الله على يديه فتحاً
عظيماً، بانتشار الإسلام في المدينة، وتهيئتها لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم؛
لتكون عاصمة الدولة الإسلامية الجديدة، و مقام أشرف الخلق، وسيد المرسلين سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لما أسلم سعد بن معاذ وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف
تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً، وأيمننا نقيبة (ذراعنا اليمنى التي نعتمد
عليها). قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال:
فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلموا (ابن إسحاق:). فتهيئت
بموقفه العظيم هذا «يثرب» لتصبح «المدينة المنورة» مهاجر النبي ــ صلى الله عليه
وسلم، ومقر دعوته ودولته.
وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إليها كانت بيوت قوم
سعد بن معاذ مفتحة الأبواب للمهاجرين، وكانت أموالهم تحت تصرفهم في غير مَنّ، ولا
حساب. وصدق فيهم قول الله سبحانه وتعالى: "وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ
مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ
وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ
نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٩ " (سورة الحشر).
وتمر الأيام وتقع غزوة بدر الكبرى، ويتلألأ نجم سعد بن معاذ هذا الشاب
العظيم مرة أخرى، من خلال مواقف كبيرة، تعكس عظمته، ورجاحة عقله، وبعد نظره. فقد
خرج النبي صلى الله عليه وسلم، بنفر من صحبه قرابة ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً،
بسلاح خفيف، يطلبون قافلة تجارية لقريش، ليستردوا بعض ما خلفه المهاجرون في مكة من
أموال ومتاع، ولكن يشاء الله سبحانه أن يتبدل الحال غير الحال، ويجد المسلمون
أنفسهم في مواجهة جيش يفوقهم عدة وعدداً بأضعاف، وينزل فيهم قول الله سبحانه
وتعالى: "وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا
لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ
أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ٧ لِيُحِقَّ
ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ٨ " (سورة
الأنفال: 7-8). هنا استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، يريد أن يرى عزمهم
على القتال، ويريد أن يعرف رأي الأنصار الذين كانت بيعتهم له في العقبة الثانية
تنص على حمايته داخل المدينة، دون ذكر للقتال خارجها.
فقام سعد رضي الله عنه ليقول كلمات سطرتها صحائف التاريخ من نور،
حملت في طياتها صدق الوعد والعهد و الإيمان، وعزيمة الرجال، وعظمة النفس: يا رسول
الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا
ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك
بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره
أن تلقى بنا عدونا غداً؛ إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا
ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. استبشر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه
الكلمات وبشره أصحابه بالنصر.
شهد سعد أيضًا مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غزوة أحد، وثَبَتَ مع رسول الله في القتال
لما ولّى المسلمون عنه.
وفي غزوة الخندق،
رُمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، وكان الذي رماه رجل من قريش اسمه "حيان
بن قيس بن العرفة". فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا،
فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه
وأخرجوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى
تقر عيني من بني قريظة.
نقضت قبيلة بني قريظة عهدها مع المسلمين بانضمامها إلى الأحزاب الذين
حاصروا المدينة المنورة في غزوة الخندق، وطلبت من قريش وغطفان ألفي رجل لغزو
المسلمين. كان ذلك خيانة في وقت عصيب بالنسبة للمسلمين، حيث حاصرهم الأعداء من
الخارج، وحاول بنو قريظة الهجوم على نسائهم وأطفالهم من الداخل.
وما أن انتهت غزوة الخندق، حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب
إلى قتال بني قريظة لنقضهم عهدهم مع المسلمين، وتحالفهم مع قريش في غزوة الخندق.
حاصر المسلمون حصون بني قريظة 25 يومًا حتى أرسلوا يطلبون السلم، ويرتضون حكم سعد
بن معاذ فيهم، وكان حليفهم في الجاهلية.
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فجيء به محمولاً على حمار،
وهو مُتعَب من جرحه. فقال له: أشر علي في هؤلاء.
فقال سعد: لو وليت أمرهم، لقتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم.
فقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لقد أشرت
عليّ فيهم بالذي أمرني الله به.
أُعيد سعد إلى المدينة إلى القبة التي ضربها عليه سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم:في المسجد النبوي ليعوده من قريب، وكوى سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم:له ذراعه. عاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: وأبو بكر
الصديق وعمر
بن الخطاب سعد وقت وفاته. فوجد سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم:يد سعد انفجرت بالدم، فقام إليه وعانقه، حتى مات. فبكى أبو بكر وعمر،
وحزن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: وأخذ بلحْيته، وكان سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم:لا تدمع عينه على أحد، ولكنه كان إذا حزن، أخذ بلحيته. صلى سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم:على سعد، وحُمل فدُفن بالبقيع، وشهد سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم: دفنه، وكان الذين أنزلوه في قبره ابن أخيه الحارث بن أوس
بن معاذ وأسيد
بن حضير وأبو
نائلة سلكان بن سلامة بن وقش وسلمة بن سلامة بن وقش. كانت وفاة سعد بن معاذ سنة 5
هـ بعد غزوة الخندق بشهر.
روي أنس بن مالك: لمَّا حُمِلتْ جِنازَةُ سعدِ بنِ معاذٍ قال
المنافقونَ ما أخفَّ جنازتهُ وذلك لحُكمهِ في بني قُرَيظةَ فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى
اللهُ عليه وسلم فقال إنَّ الملائكةَ كانتْ تحملُهُ (المصدر: صحيح الترمذي؛ خلاصة حكم المحدث : صحيح). وقال رسول
الله ﷺ:
هذا الَّذي (أي: سعدُ بنُ مُعاذٍ رَضِي اللهُ عَنه) تحرَّك له العرشُ، وفُتحَتْ له
أبوابُ السَّماءِ، وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ، لقد ضُمَّ ضمَّه، ثمَّ
فُرِّجَ عنهُ (الراوي : عبدالله بن عمر؛
المصدر : صحيح النسائي؛ خلاصة حكم المحدث: صحيح). في رِوايةٍ أخرى:
اهتَزَّ عرشُ الرَّحمنِ لموتِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ (الراوي : جابر بن عبدالله؛ المصدر
: صحيح مسلم؛ خلاصة حكم المحدث: صحيح)، وهو اهتزازٌ معلومُ الحُدوثِ، ولكنَّه
مجهولُ الكيفيَّةِ.
وروت السيدة عائشة أم المؤمنين عن سيدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم قوله": للقبرِ ضغطةٌ لو نجا منها أحدٌ لنجا منها سعدُ بنُ معاذٍ (المصدر:
مسند عمر؛ خلاصة
حكم المحدث : إسناده صحيح).
روى عن أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَال:
أُهْدِيَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وكانَ يَنْهَى عَنِ
الحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ منها، فَقالَ: والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ،
لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ في الجَنَّةِ أحْسَنُ مِن هذا، وقالَ سَعِيدٌ، عن
قَتَادَةَ، عن أنَسٍ: إنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ (حاكمُ دُومَةِ الجَنْدَلِ، مِن
نَصارى العرَبِ) أهْدَى إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. (المصدر: صحيح
البخاري؛ خلاصة
حكم المحدث: صحيح). وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بنِ
مُعَاذٍ في الجَنَّةِ أحْسَنُ مِن هذا. إشارةٌ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى أن
أقلَّ ما يكونُ لسَعْدِ بنِ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه في الجنة: أي المَنادِيلَ
-التي تُمسَحُ بها الأَيْدِي وغيرُها مِن الدَّنَسِ والوَسَخِ أفضلُ مِن هذا
الحَرِيرِ: أي حرير الجبة التي أهديت إلى رسول الله؛ فإنَّ في الجنَّةِ ما لا
عَينٌ رَأَت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ؛ "فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: 17].

تعليقات