التعبير الفني من منظور إسلامي هو: "مجموعة من المبادئ الفكرية
المستنبطة في غالبها من العقيدة الإسلامية ومن مبادئ العبادة وصورها، وتظهر
انعكاسات العقيدة وما يتعلق بها من أحكام وأفكار على سلوك الفنان المسلم ونتاجه،
وهو ما يعطيه خصوصيته مقارنة بالفنون الأخرى". أما التعبير الفني من منظور
غربي فهو: "الاستحواذ على الانفعال ،وصياغته في وسائط مادية مثل: الألوان،
الخطوط، الأشكال، الصور، والكلمات في الشعر والأدب" أو هو: "البوح عما
في داخل الشخص نحو موقف ما، أو حدث ما، أو ظاهرة معينة، مستخدما في ذلك الفكر
والجسد والكلمة".
ما هي وظيفة الفنون؟ هي تصوير لحركة الحياة بنجاحاتها وإخفاقاتها، وهي
تسجيل تصويري لماضي غابر لم نعشه وحضر نحياه بأفراحه وأتراحه، ومستقبل نرجوه
بآمالها وطموحاتها. وهي موهبة منحها الله لمن يشاء من عباده لتخرج لنا فنون تسمو
بالأذواق، وهي ميدان من ميادين الاستخلاف والتعمير في الأرض. هل تقوم حضارة أو
ترقى أمة أو يسعد مجتمع دون فنون راشدة تهذب الذوق وتبهج النفوس، وتريح القلوب؟.
بالطبع لا فكل الحضارات السابقة تركت للبشرية تراث من الفنون تتسمر أمامه العيون
لروعته وإبداعه. وتؤشر الفنون القيم الأخلاقية لأي حضارة من الحضارات: قيم سامية
أو قيم تغازل العواطف أو الشهوات. لكن الحضارة الإسلامية تتفرد برؤيتها أو فلسفتها
الفنية التي تقوم على مزج بديع بين القيم المادية والأدبية، بين الفائدة والمتعة.
فما نشاهد من قباب رائعة، ومآذن سامقة، وزخارف مبدعة، وبوابات مبهرة، وسيوف ودروع
مزخرفة زخارف دقيقة في تناسق جميل تجمع بين الارتقاء بالحس الجمالي للمسلم، وبين
مقتضيات الدفاع عن العقيدة. إضافة إلى أنها ترفع من معنويات واحساس المسلم
بالانتماء إلى أمة عظيمة مهابة الجانب.
تتناول آيات القرآن الكريم الجمال في إبداع السموات والأرض في قول الله
سبحانه وتعالى: "بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرا
فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ١١٧ " (سورة البقرة: 117)؛ والجمال في
كل شيء صنعه الله و أتقنه في قوله سبحانه وتعالى: "وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ
تَحۡسَبُهَا جَامِدَة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ
أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ٨٨" (سورة النمل:
88) ؛ والجمال في إبداع بنية السماء وزينتها في قوله سبحانه وتعالى: "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم
كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج" (سورة ق: 6)، وقوله: "ولقد جعلنا
في السماء بروجاً وزيناها للناظرين" (سورة الحجر16: ) ، و قوله: "تبارك
الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً" (سورة الفرقان:
61)؛ و الجمال في إبداع خلق الإنسان في قوله سبحانه وتعالى: "ٱللَّهُ ٱلَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآء وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ
صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ
فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٦٤" (سورة غافر: 64). ففي كل ما خلق
الله نري كمال ما خلق وحسن الصوره. ونرى الزينة والبهجة من زروع وأزهار بألونها
المختلفة، و ثمار بأشكلها وطعوم المتعددة والمتباينة.
نرى النبي صلوات الله عليه يشيد بإتقان العمل في قوله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (الراوي: عائشة أم
المؤمنين؛ المصدر: صحيح الجامع). وهذا توجيه نبوي للمسلمين إلى النظر في الفن
والإبداع في مخلوقات الله؛ ليعلموا عظيم صنعة الله كمالا وجمالا؛ ليتأسوا بها
ويعملوا على تقليدها. فالجمال يتجلى في الدنيا في كل شيء، فما أجمل من قطعة ماس
استخرجت من بين صخور الأرض، وما أجمل من لؤلؤة استخرجت من بطن كائن بحري. فمن كمال
الدنيا ما بها من جمال، فدنيا بدون جمال غابة أشجارها ميته، وأرض قاحلة لا ظل فيها
ولا بئر عامرة، فالجمال نعمة إن كان جمال رشيد يراعي الخلق ولا يروج للميوعة، ولا
يغازل الشهوات والهوى، فهذا النوع من الفن يقتل الروح، ويغذي الفساد والضياع
وتدمير الأسر، وانحطاط المجتمع.
.png)
تعليقات