سمية بنت خباط وقيل خياط، من مشاهير الصحابيات. أسلمت هي وزوجها ياسر
بن عامر وابنها عمار بن ياسر مع بزوغ فجر الإسلام، وإشراق نوره، فهي سابع سبعة
أظهروا إسلامهم بمكة، من غير بني هاشم. هي وأهل بيتها من السابقين الأولين
للإسلام، الثلة المختارة التي قال الله فيهم: "ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ١٣
وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ١٤"، (الواقعة:13-14)..
كانت سمية أَمَةً لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وكان ياسر بن عامر
عربياً قحطانياً من بني عنس حليفاً لحذيفة بن المغيرة المخزومي (مولى أو عتيق)،
فزوَّجَهُ بها فولدت له عمارا فأعتقها. تكنى بأم عمار، نسبة لإبنها الأكبر عمار
بن ياسر.
كان مشركي بنو مخزوم يعذبون آل ياسر أشد العذاب بالأبطح في رمضاء
مكة؛ لاعتنقهم الإسلام، وتركهم ألهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله. وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يمر بهم، ويدعو الله عز وجل أن يجعل مثواهم الجنة، وأن
يجزيهم خير الجزاء.
ومن شدة ما نزل بهم من عذاب اضطر عمار لإخفاء.إيمانه عن المشركين
وإظهار الكفر. فنزل فيه قول الله سبحانه وتعالى: "مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ
بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ
وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ
وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ١٠٦"،
(النحل: 106). هاجر عمار إلى المدينة وشهد معركة بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان
والجمل واستشهد في معركة صفين في الربيع الأول أو الآخر من سنة سبع وثلاثين
للهجرة، ومن مناقبه، بناء أول مسجد في الإسلام وهو مسجد قباء.
أما سمية أم عمار فصبرت على العذاب، وهي إمرأة عجوز فقيرة. ولما عجز
المشركون عن إثناءها عن الإسلام. ساق أبى جهل حمقه وحنقه وعجزه وصغار أمره فطعنها
بحربة بيده في قُبُلِها فماتت على إثرها في السنة السادسة بعد البعثة (السابعة قبل
الهجرة). ماتت ثابتة على الإسلام لا يزحزحها عنه أحد. ماتت وقد رسخ الإسلام في
قلبها، فكان مصدر ومداد ثباتها وصبرها على احتمال الأذى الذي لاقته على أيدي
المشركين.
لم يمهل الله أبى جهل كثيرا، فقد قُتل في معركة بدر الكبرى، على يدي
ابني عفراء، مُعاذ بن الحارث الخزرجي الأنصاري، ومُعَوّذ بن الحارث الخزرجي
الأنصاري، فقد طعناه ولكنه لم يمت على أثر طعناتهما بسبب ضخامة جسده، ولأن ابني
عفراء كانا صغيرين بالسن، لكنه لفظ نفسه الأخيرة على يد عبد الله بن مسعود الذي
أجهز عليه. ولقد استشهد مُعاذ ومُعَوّذ ابنا عفراء في هذه المعركة.
لقد كانا ابنا عفراء مُعاذ ومُعَوّذ على صغر سنهما من الشجاعة
والتضحية في سبيل الله، ما تعجز أن تصفه الكلمات، مهما أوتيت من بلاغة وطلاقة
لسان، فأمة بها مثل هؤلاء الفتيان، يحق لها أن تحلق في عنان السماء، ويحق لها أن
تكون خير أمة أخرجت للناس. يحكي عبد
الرحمن بن عوف عن إبني عفراء فيقول: إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني
وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه:
يا عم! أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي! ما تصنع به؟! قال: عاهدت الله إن رأيته أن
أقتله أو أموت دونه. قال لي الأخر سراً من صاحبه مثله، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه
مثل الصقرين، فضرباه حتى قتلاه.
لقد سطرت سمية رضي الله عنها ـ أول شهيد من المسلمين على وجه الأرض ـ
بصبرها وبموقفها الشجاع أمام أبي جهل ومشركي مكة، المثال العملي في التضحية والبذل
والثبات، ليظل كل مسلم ـ رجلا كان أو امرأة ـ يقتدي بها في صبرها وثباتها أمام
الابتلاءات، ولا يبخل بشيء في سبيل الله عز وجل، بعد أن جادت رضي الله عنها بروحها
في سبيل نشر الإسلام ورفعة شأنه.

تعليقات