عبد الله بن سلام بن الحارث، من ذريـة يوسف الصديق بن يعقوب بن إسحاق
بن إبراهيم عليهم السلام (النووي). كنيته: أبو يوسف، وقيل أبو الحارث. كان حَبْرا
من علماء يهود بني قَيْنُقَاع، وعالمًا من علمائهم الدارسين للتوراة والملمين بها
وبما فيها من نبوءات وأحكام. كان اسمه قبل إسلامه "الحصين"، فسمَّاه
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه "عبدالله". أسلم مَقْدَمَ
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة، مشهود له بالجنة، حليف الأنصار، من
خواصِّ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم" (الذهبي في السير).
بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا من مكة كان الأنصار
يتطلعون إلى استضافته، وكلما مر على أحدهم دعاه للنزول عنده. فكان صلى الله عليه
وسلم يقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري رضي
الله عنه، في مكان المسجد النبوي الذي هو فيه الآن. ثم أخذت الوفود تتوافد على
رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب، وقد تنادى الناس فيما بينهم: قدْ
قدِم رسول الله، قد قدم رسول الله.
روي عن عبد الله بن سلام أنه قال: لمَّا قدمَ النَّبيُّ صلَّى
اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ المدينةَ، انجَفلَ النَّاسُ قبلَهُ، وقيلَ: قد قدمَ رسولُ
اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، قد قدمَ رسولُ اللَّهِ، قد قدمَ رسولُ
اللَّهِ ثلاثًا، فَجِئْتُ في النَّاسِ، لأنظرَ، فلمَّا تبيَّنتُ وجهَهُ، عرفتُ
أنَّ وجهَهُ ليسَ بوَجهِ كذَّابٍ، فَكانَ أوَّلُ شيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ،
أن قالَ: يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا
الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ، والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ (المصدر :
صحيح ابن ماجه؛ خلاصة حكم المحدث (الألباني) : صحيح). يشرح السندي: عرفت أن وجهه
ليس بوجه كذاب. فيقول: لما لاح عليه من سواطع أنوار النبوة، وإذا كان أهل الصلاح والصلاة
في الليل يُعْرَفون بوجوههم، فكيف هو وهو سيدهم ـ صلوات الله وسلامه عليه.
ويروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ
سَلَامٍ، بَلَغَهُ مَقْدَمُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ
فأتَاهُ يَسْأَلُهُ عن أشْيَاءَ، فَقَالَ: إنِّي سَائِلُكَ عن ثَلَاثٍ لا
يَعْلَمُهُنَّ إلَّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعَامٍ
يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ وما بَالُ الوَلَدِ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ أوْ إلى
أُمِّهِ؟ قَالَ: أخْبَرَنِي به جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ ابنُ سَلَامٍ: ذَاكَ
عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ: أمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ
فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأَمَّا أوَّلُ طَعَامٍ
يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الحُوتِ (القِطعةُ المنفرِدةُ
المتعلِّقةُ بالكَبدِ، وهي أطيَبُها وأهنأُ الأطعمةِ)، وأَمَّا الوَلَدُ فَإِذَا
سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وإذَا سَبَقَ مَاءُ
المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الوَلَدَ قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا
اللَّهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، قَالَ يا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ
بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي، قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا بإسْلَامِي، فَجَاءَتِ
اليَهُودُ فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ رَجُلٍ عبدُ اللَّهِ
بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قالوا: خَيْرُنَا وابنُ خَيْرِنَا، وأَفْضَلُنَا وابنُ
أفْضَلِنَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرَأَيْتُمْ إنْ أسْلَمَ
عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ قالوا: أعَاذَهُ اللَّهُ مِن ذلكَ، فأعَادَ عليهم،
فَقالوا: مِثْلَ ذلكَ، فَخَرَجَ إليهِم عبدُ اللَّهِ فَقَالَ: أشْهَدُ أنْ لا
إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، قالوا: شَرُّنَا وابنُ
شَرِّنَا، وتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هذا كُنْتُ أخَافُ يا رَسولَ اللَّه (المصدر :
صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث (البخاري): صحيح).
لقد كان اليهود يؤذون من آمن من أحبارهم، ويثيرون حوله الشكوك،
وينتقصون منه، ويقذفونه بتهم باطلة قبيحة لأصل له إلا في عقولهم المريضة. وقد حدث
القرآن الكريم عن وسائلهم الخبيثة، ودافع عن هؤلاء المؤمنين ومنهم عبد الله بن
سلام، فقال: ۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ
أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ١١٣
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ
عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ١١٤
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ١١٥
(آل عمران 113 : 115). قال ابن عباس ومقاتل في أسباب نزول هذه الأيات
: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن أسعد، وأسيد بن سعنة، وأسد بن عبيد، ومن
أسلم من اليهود، قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من
أخيارنا لما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا
غيره، فأنزل الله تعالى: "لَيْسُوا سَوَاءً" (آل عمران: من الآية 113) .
تظهر قصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن اليهود قوم بُهْت،
أي أهل إفك وكذب، يقولون ويفترون على غيرهم ما ليس فيه. يشهد عليهم في ذلك حبر من أحبارهم
وهو عبد الله بن سلام ـ بعد أن شرح الله صدره للإسلام فقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بُهت. ومن بهتانهم
وإفكهم: أنهم كذبوا على الله سبحانه وتعالى فوصفوه بما لا يليق به، في قول جل في
علاه في القرآن الكريم: "لَّقَدۡ سَمِعَ
ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ
سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ
عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ١٨١"(آل عمران: 181)، وقال تعالى: "وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ
أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ
يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا
وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ
كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ
فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ٦٤ " (المائدة:
64)، وقال تعالى: "وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ
عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم
بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهُِٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ
ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ٣٠ "(التوبة: 30) .

تعليقات