الإنصاف هو: "إعطاء الغير من الحق مثل ما تحب أن
تأخذ منه لو كنت محله قولًا وفعلًا في الرضا والغضب، من تحب ومن تكره". وهو
أيضًا: "العدل في المعاملة مع النفس والغير". الفرق بين الإنصاف والعدل:
أنه إذا كان الحكم على الأشياء بناءً على معايير وقوانين خارجية فهذا عدل، وإذا
كان الحكم يخرج من النفس دون أن يكون بين أكثر من شخص، فهذا يسمى إنصافًا.
والإنصاف أمرٌ عزيزٌ على النفس، لا يبلغه إلا من لم يتبع هواه، ومن روض نفسه عليه،
فأعطى كل ذي حق حقه. إذًا، لا يقدر على الإنصاف أي أحد، ولا يستطيع التجمل بهذا
السلوك من لم يتمكن الإنصاف من قلبه، فأصبح قيمة من قيمه الأخلاقية، ومبدأ يطبقه
في حياته العملية. ويبدأ الإنصاف بإنصاف الإنسان لنفسه أولًا، فمن لا ينصف نفسه لا
ينصف الناس. ولكن كيف ينصف الإنسان نفسه؟ الإجابة ببساطة: ألا يدعي لنفسه ما ليس لها
تجاوزًا لكل القيم الأخلاقية، فيرتكب المعاصي والذنوب والآثام. وأن ينصف الإنسان
خالقه ومربيه والقائم على أمره كله بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم. هل يتخيل عاقل أن
ينصف إنسان المخلوقين وهو لا ينصف الخالق؟ وأن ينصف النبي صلى الله عليه وسلم
بالإيمان به ومحبته وتقديمها على محبة الخلق كلهم، وطاعته وتوقيره وتبجيله وتقديم
أوامره ونواهيه على أي أمر غيره. وأن ينصف أخاه المسلم وأن ينصف الآخر حتى ولو كان
مخالفًا له في الرأي أو الدين أو المذهب أو غير ذلك. إنصاف الناس تأدية حقوقهم
وألا تطلب منهم ما ليس لك، وألا تحملهم فوق وسعهم، وأن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك
به (ابن القيم).
وقد دعا القرآن إلى الإنصاف في قول الله سبحانه وتعالى:
"لَيۡسُواْ سَوَآءًۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّة قَآئِمَة يَتۡلُونَ
ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ"، (سورة آل عمران 113).
وهذه الآية تشير إلى إنصاف الله سبحانه وتعالى لأمة من أهل الكتاب تتلو آيات الله
ليلًا وهم ساجدون. كذلك يأمرنا الله بأن نكون منصفين مع الوالدين والأقارب. سبحانه
وتعالى: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ
شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ
إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا
تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ
فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرًا"، (النساء 135)؛ وأن نكون
منصفين مع الأعداء وذلك في قوله: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا
ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلا مِّن
رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰناۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا
يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ
أَن تَعۡتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ
عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ"،
(المائدة:
2) ؛ وأن نكون منصفين مع أنفسنا بأن ننتهي عن ما يهين النفس من فحشاء ومنكر وبغي
وأن نتحلى بالقيم النبيلة من عدل وإحسان والإنفاق على الأقارب، وذلك في قوله:
"إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ
تَذَكَّرُونَ"، (النحل: 90) ؛ والإحسان إلى الناس كافة، في قول سبحانه
وتعالى: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ
شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَأنُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا
تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ
ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ"، (سورة المائدة: 8).
كان الإنصاف والحض عليه خلق أصيل في سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بلغ حد الكمال. فقد رغبنا وحضنا على الإنصاف مع النفس، لكون
الإنصاف مع النفس من مجامع الإيمان في قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَن
جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار"
(الراوي: عمار؛ المصدر: وروى البخاري معلقاً في صحيحه)؛ والإنصاف مع الأهل حيث
كان يقسم بينهم في النفقة والمبيت ويقول: "اللَّهمَّ هذا قَسمي فيما
أملِكُ، فلا تلُمْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ"، (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛
المصدر: البدر المنير)؛ والإنصاف مع الأولاد وذلك فيما روي عن السيدة عائشة:
" كُنَّ أَزْوَاجُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ
عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ منهنَّ وَاحِدَةً، فأقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، ما
تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِن مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ شيئًا،
فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بهَا، فَقالَ: مَرْحَبًا بابْنَتي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عن
يَمِينِهِ، أَوْ عن شِمَالِه (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر: صحيح مسلم)؛
والإنصاف مع أصحابه، وذلك فيما روي عن أسيد بن حضير أنه قال: "بينما هو
يحدِّث القومَ، وكان فيه مزاحٌ، بينما يُضحُكهم، فطعنه النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في خاصِرته بعودٍ، فقال: أصبِرني فقال: اصطبرْ. قال: إنَّ عليك قميصًا
وليس عليَّ قميصٌ، فرفع النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن قميصِه، فاحتضنه
وجعل يقبِّل كشحَه، قال: إنما أردتُ هذا يا رسولَ اللهِ"، (الراوي: أسيد بن
حضير؛ المصدر: صحيح أبي داود). كذلك من إنصافه صلى الله عليه وسلم إنكاره على
أسامة حين شفع في المخزومية وقال: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا
سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر: صحيح
النسائي). وكان صلى الله عليه وسلم منصفاً حتى مع الكافر، فقال: "ألا من
ظَلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَه أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ
نفسٍ فأنا خَصمهُ يومَ القيامةِ"، (الراوي: عدة من أبناء أصحاب النبي؛
المصدر: صحيح أبي داود)، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن قَتَلَ نَفْسًا
مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ
أرْبَعِينَ عامًا" (الراوي: عبدالله بن عمرو؛ المصدر: صحيح البخاري).
.png)
تعليقات