الشجاعة هي: "الإقدام على المكاره، والمهالك،
عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت".
الشجاعة غريزة يَضعها الله فيمَن شاء من عباده.
يقول سيدنا عمر بن الخطاب: "إنَّ الشجاعة والجُبن غرائزٌ في الرجال"
(سنن الدار قطني). وحد الشَّجَاعَة هو بذل النفس للموت، عن الدين، والحريم، وعن
الجار المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلمًا في المال، والعرض، وفي
سائر سبل الحق، سواء قلَّ من يعارض أو كثر" (الإخلاق والسير لإبن حزم).
وللشجاعة مراتب خمس: أولها الهُمام؛ وسمي بذلك لهمته وعزمه؛ وثانيه المِقْدام؛
وسمي بذلك من الإقدام، وهو ضد الإحجام؛ وثالثها الباسل؛ وسمي بذلك لشَّجَاعَته
وشدته؛ ورابعها البطل؛ وسمي بذلك إما لأنه يبطل فعل الأقران أو لأنه يبطل شجاعة
غيره فيجعلها بمنزلة العدم واستسلامهم له وترك محاربتهم إياه، وخامستها الصنديد
وسمي بذلك لكونه شريف شجاع، السيد الشجاع، أو داهية (ابن القيم).
من صور الشجاعة في القرآن، نهي المؤمنين عن الفرار
من لقاء الأعداء والثبات وعدم الجبن في منازلتهم في قول الله سبحانه: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ
تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ
مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ
مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (سورةالأنفال:15-
16).
ومن الصور الأخرى نداء الله على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحث المؤمنين على
القتال، ويستنهضهم إليه بكل ما يشد من عزائمهم،
ويعلي من هممهم، من الترغيب في الجهاد، والترهيب من الجبن والاستكانة، في
قوله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن
يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ" (سورة الأنفال: 65). وتضمنت الأية فضائل
الشَّجَاعَة والصبر في ملاقاة الأعداء، وما يترتب علىهما من خير في الدنيا
والآخرة؛ وذكرت مضار الجبن كخلق سيء، فهو منقصة للدين والمروءة.
والشجاعة اتَّصف به الأنبياء والمرسلون. وكان
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أشجَعَ النَّاسِ، وكان أصحابُه رِضوانُ اللهِ
عليهم خَيرَ الفُرسانِ، وأصبَرَهم عِندَ لِقاءِ العَدُوِّ . يقول أنس رضي الله
عنه: "كان النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحسنَ الناسِ وأَجْوَدَ الناسِ
وأَشْجَعَ الناسِ ولقدْ فَزِعَ أهلُ المدينةِ ذاتَ ليلةٍ فانطلقَ الناسُ قِبَلَ
الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلهُمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقد سَبَقَ الناسَ
إلى الصَّوْتِ وهوَ يقولُ لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وهوَ على فَرَسٍ لِأَبي
طلحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرْجٌ في عُنُقِهِ سَيْفٌ فقال لقدْ وجَدْتُهُ بَحْرًا أوْ
إنَّهُ لَبَحْرٌ يعني: الفرس" (الراوي: أنس ابن مالك؛ المصدر: صحيح الأدب
المفرد). ويقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو من أبطال الأمة وشُجعانها:
"لقد رأيتُنا يوم بدر ونحن نلُوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربُنا
إلى العدو، وكان من أشد الناس يَومئذ بأسًا" (الراوي: الإمام على؛ المصدر:
مسند أحمد). ويُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو إسحاقَ عَمرُو بنُ عَبدِ اللهِ السَّبيعيُّ
أنَّه لَمَّا سَأَلَ رَجُلٌ اسمُه قَيسٌ مازِحًا -كما في رِوايةِ أحمَدَ- البَراءَ
بنَ عازِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، فقال له:" أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يا أبَا
عُمَارَةَ يَومَ حُنَيْنٍ؟ قالَ: لا واللَّهِ، ما ولَّى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ ولَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أصْحَابِهِ، وأَخِفَّاؤُهُمْ
حُسَّرًا ليسَ بسِلَاحٍ، فأتَوْا قَوْمًا رُمَاةً، جَمْعَ هَوَازِنَ، وبَنِي
نَصْرٍ، ما يَكَادُ يَسْقُطُ لهمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا ما يَكَادُونَ
يُخْطِئُونَ، فأقْبَلُوا هُنَالِكَ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو
علَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وابنُ عَمِّهِ أبو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عبدِ
المُطَّلِبِ يَقُودُ به، فَنَزَلَ واسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قالَ: أنَا النبيُّ لا
كَذِبْ، أنَا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ، ثُمَّ صَفَّ أصْحَابَهُ" (الراوي:
البراء بن عازب؛ المصدر: صحيح البخاري).

تعليقات