التعددية والتنوع هي: "التنوّع في وجهات النظر والمواقف حول نهج أو فكرة معيّنة".
تتضمن التعددية
صور مختلفة، منها: التعددية السياسية، والتعددية الاقتصادية، والتعددية الدينية والتعددية
الثقافية. وتعني التعددية السياسية والاقتصادية في مجتمع ما وجود أكثر من نظام
سياسي أو اقتصادي في المجتمع. والتعددية الدينية تعني وجود عدّة توجهات دينية في
المجتمع، يتعايش معتنقوها مع بعضهم البعض في سلام ووئام. أمّا التعددية الثقافية
تعني وجود جماعات صغيرة ضمن المجتمع الأكبر له هوياتها الثقافية، وقيمها
وممارساتها التي يقبلها المجتمع ويتعايش معها تقديرا واحترام في إطار ما تراضى
عليه المجتمع من قوانين ونظام.
من طبيعة
المنهج القرأني قبول التنوع والاعتراف بالآخر، كما في قول الله سبحانه وتعالى:
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَىٰ
وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ
ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير١٣" (سورة الحجرات).
والتعددية والتنوع مدعاة للتعارف والتعاون على فعل الخير والابتعاد عن الاثم والعدوان، كما في قول الله سبحانه وتعالى:"يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰناۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَأنُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٢". (المائدة: 2). وقد أتت التعددية في
القرآن بمفهوم ثقافي إنساني تعددي حضاري، فأطلق اسما جديدا على يثرب فسماها
"المدينة" في قوله سبحانه وتعالى: "مَا كَانَ لِأَهۡلِ
ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن
رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ
بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأ وَلَا نَصَب وَلَا مَخۡمَصَة فِي سَبِيلِ
ٱللَّهِ وَلَا يَطَئونَ مَوۡطِئا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ
عَدُوّ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَل صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ١٢٠" (سورة التوبة: 120)؛، وفي قوله سبحانه:
"يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ
مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ
وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ٨" (سورة المنفقون: 8). هذا
المفهوم هو مفهوم الدولة المدنية المبنية على أسس إيمانية والتي تسعى كثير من
الدول لتطبيق وترسيخ هذا المفهوم وتجد عنتا كبير من اتباع الهوى ودعاة الظلم
والاستبداد . لتنوع والتعدد
يعزز التعاون والاستقرار بين الأمم والشعوب على الخير، ويحول دون حدوث نزاعات وحروب بينها. ومن صور التنوع الناصعة في الدولة الاسلامية على امتدادها الحضاري
التنوع اللغوي والعرقي والثقافي. فقد إمتزج فيه العرب والأتراك والبربر والفرس والأكراد والهنود، وغيرهم من الأعراق والقوميات.
قبل الهجرة
النبوية كانت المدينة خليطا من قبائل متناخرة. فلما هاجر رسول الله عليه وسلم
وصحبه الكرام إلى المدينة اساس لمجتمع مسلم يقوم على الفضيلة والتأذر والتعاون؛
مجتمع مسلم غني بالتعدد والتنوع. كان مجتمع المدينة المنورة يتكون من مسلمي الأوس،
والخزرج ومهجرون من بطون مختلفة: عرب وغير عرب (بلال، صهيب، خباب، سلمان، عمار بن
ياسر، زيد بن حارثة وولده أسامة وغيرهم)، وبطون مختلفة ومتفرقة من اليهودية لكل
بطن ثقافة وعرفا خاصا، و لكل بطن مساكن منعزلة داخل أسوار خاصة - عنصرية شديدة وخصوصية
إلى حد التعصب. حكم هذا التعدد والتنوع "دستور المدينة" الذي وضع نصوصه
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تقر وتحترم وترعى التعددية داخل المجتمع
المسلم وداخل البطون اليهودية، وألا يتعاون المختلفين مع الأعداء أو السعي لتقويض النظام الإسلامي أو استخدام العنف ومن يفعل ذلك يحق للدولة التدخل لحظره ومنعه. ومن
صور التعدد والتنوع في ابهى صوره الواقعية والعملية مكوث نصارى نجران في المسجد
النبوي قرابة السبعة عشر يوما، وقيامهم بقداسهم يوم الأحد واتجهاهم بصلواتهم صوب
القدس بعد وصولهم إلى المدينة والتقائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم. ومن صور
التعدد والتنوع ايضا بل أرقها ما فعله الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وخليفة المسلمين مع الخوارج. فبرغم من أنهم كفروه إلا أنهم لم يقاتلهم إلا عندما استخدموا القوة والعنف ضد المسلمين وقتلوا بعضا منهم. كذلك، فإن من صور التعدد موقف الفاروق
عمر رضي الله عنه مع نصارى نجران كان تجسيدا
للروح الثقافية التعددية التي أرساها القرآن العظيم والسنة النبوية. فقد أراد نصارى
نجران في عهد الفاروق رضي الله عنه وأرضاه الخروج من نجران، تاركين أرضهم ودورهم:
فريقا منهم بسوريا وفريق بالبصرة. فكتب
إلى عامليه في كل من سوريا والبصرة أن يعوضوا أرضا بحسب وثائقهم، وأن يدعموا بمبلغ
من المال، وأن يسقط عنهم الخراج والجزية لمدة عامين حتى يتمكنوا من تنمية وتكوين
ثرواتهم.

تعليقات