عاصم بن ثابت
هو الصحابي الذي حمته "ذكور
النحل" من أذى المشركين. والده ثابت بن أبي الأقلح قيس الأنصاري. وأمه
هي الشموس بنت أبي عامر بن صيفي ضبيعة. لم يُذكر له أولاد في المصادر التاريخية
المتداولة؛ فقد استشهد في غزوة الرجيع (اسمٌ لِماءٍ بيْنَ مَكَّةَ وعُسْفانَ، وهو
أقرَبُ إلى عُسفانَ، وهي قَريةٌ على مَسافةِ ثَمانينَ مِيلًا (128 كم تَقريبًا)
مِن مَكَّةَ شَمالًا على طَريقِ المَدينةِ) قبل ظهور أبنائه. يُشار
إلى أن له ابنة تُدعى جميلة بنت ثابت، وهي والدة الصحابي عاصم بن عمر بن الخطاب. وهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام من الأنصار، آخى النبي صلى
الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن جحش رضي الله عنه.
عاصم
بن ثابت من السابقين الأولين من الأنصار، إنه من شباب الأوس الذين كانوا أسرع
الناس فى الدخول فى الإسلام ، كريم الأصل من بنى عمرو بن ثابت الأنصارى . حرص على
تلقى القرآن من مُصعب بن عمير سفير رسول الله في المدينة، وحرص على الإقتداء بهدى
عمَّار بن ياسر الذى بنى مسجد قباء لتتم فيه أول صلاة جمعة فى الإسلام، وهو
الصحابى الجليل الذى لا يعرف أحد قبره .
شهد عاصم مع
النبي محمد غزوتي بدر وأحد، وكان ممن ثبتوا معه يوم أحد، وقد عُرف عنه مهارته في
الرماية، وشجاعته. فقد رُوي أن النبي محمد سأل من معه ليلة العقبة أو ليلة بدر،
فقال: كيف تقاتلون؟، فقام عاصم بن ثابت فأخذ القوس والنبل، وقال: إذا كان القوم
قريبًا من مائتي ذراع كان الرّمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرّماح كانت المداعسة حتى
تقصف، فإذا تقصّفت وضعناها وأخذنا بالسيوف وكانت المجالدة، فقال النبي محمد: هكذا
نزلت الحرب، من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم.
أبلى عاصم يوم أحد بلاء حسنًا، وقتل يومها من أصحاب اللواء من بني
عبد الدار بن قصي الحارث ومسافع ابني طلحة بن أبي طلحة، فنذرت أمهما
أن تشرب الخمر في رأس عاصم، وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة.
بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشَرَةَ رَهْطٍ
سَرِيَّةً عَيْنًا، وأَمَّرَ عليهم عَاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأنْصَارِيَّ جَدَّ
عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَانْطَلَقُوا حتَّى إذَا كَانُوا بالهَدَأَةِ
-وهو بيْنَ عُسْفَانَ ومَكَّةَ- ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِن هُذَيْلٍ (أي: عَرَفَ هذا
الحَيُّ مِن هُذَيلٍ بهذِه السَّرِيَّةِ)، يُقَالُ لهمْ: بَنُو لَحْيَانَ،
فَنَفَرُوا لهمْ قَرِيبًا مِن مِئَتَيْ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا
آثَارَهُمْ حتَّى وجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ،
فَقالوا: هذا تَمْرُ يَثْرِبَ. فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ
وأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا إلى فَدْفَدٍ (المَكانُ المُرتَفِعُ) وأَحَاطَ بهِمُ
القَوْمُ، فَقالوا لهمْ: انْزِلُوا وأَعْطُونَا بأَيْدِيكُمْ، ولَكُمُ العَهْدُ
والمِيثَاقُ، ولَا نَقْتُلُ مِنكُم أحَدًا، قَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ أمِيرُ
السَّرِيَّةِ: أمَّا أنَا فَوَاللَّهِ لا أنْزِلُ اليومَ في ذِمَّةِ كَافِرٍ،
اللَّهُمَّ أخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ. فَرَمَوْهُمْ بالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا
عَاصِمًا في سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إليهِم ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بالعَهْدِ والمِيثَاقِ،
منهمْ خُبَيْبٌ الأنْصَارِيُّ، وابنُ دَثِنَةَ، ورَجُلٌ آخَرُ (قيلَ هو: عَبدُ
اللهِ بنُ طارِقٍ)، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا منهمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ
قِسِيِّهِمْ فأوْثَقُوهُمْ (الحِبالُ المَشدودةُ التي تُستَخدَمُ في رَمْيِ
السِّهامِ)، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هذا أوَّلُ الغَدْرِ، واللَّهِ لا
أصْحَبُكُمْ، إنَّ لي في هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً. يُرِيدُ القَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ
وعَالَجُوهُ (وغَصَبوه) علَى أنْ يَصْحَبَهُمْ، فأبَى، فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا
بخُبَيْبٍ وابْنِ دَثِنَةَ حتَّى بَاعُوهُما بمَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ،
فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الحَارِثِ بنِ عَامِرِ بنِ نَوْفَلِ بنِ عبدِ مَنَافٍ،
وكانَ خُبَيْبٌ هو قَتَلَ الحَارِثَ بنَ عَامِرٍ يَومَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ
عِنْدَهُمْ أسِيرًا،
فأخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عِيَاضٍ (أحد رواة الحديث)، أنَّ
بنْتَ الحَارِثِ أخْبَرَتْهُ: أنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ (خبيب) منها
مُوسَى يَسْتَحِدُّ بهَا، فأعَارَتْهُ، فأخَذَ ابْنًا لي وأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ
أتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ علَى فَخِذِهِ والمُوسَى بيَدِهِ،
فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ في وجْهِي، فَقَالَ: تَخْشينَ أنْ أقْتُلَهُ؟
ما كُنْتُ لأفْعَلَ ذلكَ، واللَّهِ ما رَأَيْتُ أسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِن
خُبَيْبٍ، واللَّهِ لقَدْ وجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِن قِطْفِ عِنَبٍ في يَدِهِ
وإنَّه لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ، وما بمَكَّةَ مِن ثَمَرٍ، وكَانَتْ تَقُولُ: إنَّه
لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ
لِيَقْتُلُوهُ في الحِلِّ، قَالَ لهمْ خُبَيْبٌ: ذَرُونِي أرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ.
فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أنْ تَظُنُّوا أنَّ ما
بي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا، اللَّهُمَّ أحْصِهِمْ عَدَدًا ما أُبَالِي حِينَ
أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... علَى أيِّ شِقٍّ كانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي وَذلكَ في ذَاتِ
الإلَهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ علَى أوْصَالِ شِلْوٍ (العُضوُ مِن أعضاءِ
الجَسَدِ) مُمَزَّعِ فَقَتَلَهُ ابنُ الحَارِثِ، فَكانَ خُبَيْبٌ هو سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ
لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمِ بنِ
ثَابِتٍ يَومَ أُصِيبَ، فأخْبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصْحَابَهُ
خَبَرَهُمْ وما أُصِيبُوا، وبَعَثَ نَاسٌ مِن كُفَّارِ قُرَيْشٍ إلى عَاصِمٍ حِينَ
حُدِّثُوا أنَّه قُتِلَ، لِيُؤْتَوْا بشَيءٍ منه يُعْرَفُ، وكانَ قدْ قَتَلَ
رَجُلًا مِن عُظَمَائِهِمْ يَومَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ علَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ
مِنَ الدَّبْرِ (النحل)، فَحَمَتْهُ مِن رَسولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا علَى أنْ
يَقْطَعَ مِن لَحْمِهِ شيئًا (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح البخاري). ويعلق
عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ذلك قائلًا: "يحفظ الله العبد
المؤمن" إذ كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا في حياته،
فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حياته حسب رواية ابن اسحاق.
أطلق الصحابة منذ ذلك اليوم على هذا الشاب الأنصارى لقب ( حَمِّى
الدَّبْر) فقد حماه الله سبحانه وتعالى
بالدَّبْر (النحل) من كيد الأعداء، ولم يُمَكِّن المشركين من لمسه حيًا أو ميتًا،
وحمله السيل حيث ينعم بأمن الله وأمانه ويحظى برحمته ورضوانه. فقد وفى بعهده مع الله،
فوفى الله عهده معه. ومن أوفى بعهده من الله. وصَدَقَ سبحانه وتعالى حيث قال: ﴿
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ
فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِيلًا (23) ﴾ الأحزاب .
توفي عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح في السنة الرابعة من هجرة سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله من الولد محمد أمه هند بنت مالك بن عامر من بني
جحجبا بن كلفة.
رحم الله ذلك الصحابى الأنصارى الذى عاهد الله أن لا يَمسَّ مشركا
ولا يمسهُ مشرك فَوفَّى الله عهده إنه عَاصِم بنُ ثابت (رضى الله عنه وأرضاه) .

تعليقات