مؤمن آل ياسين هو رجل
صالح كان يسكن قرية في بلاد الشام قيل أنها انطاكيا، وقد جاء ذكره دون تسمية في
القرآن: وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ
يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ٢٠ (سورة ياسين: 20)..
وصف الله حال القرية التي كان يسكنها هذا الرجل المؤمن: وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ١٣
إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ
إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ١٤ قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا
وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ١٥ قَالُواْ
رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ١٦ وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ
ٱلۡمُبِينُ١٧ قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ
وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ١٨ قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن
ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ١٩(سورة ياسين: 13-19). يخبرنا الله في هذه الأيات أنه أرسل إلى أهل قرية اثنين من
الرسل يدعوانهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا
تنفع، فبادروهما أهل القرية بالتكذيب، فعززهما الله برسول ثالث، وعندما قال المكذبون
من أهل القرية ما قالوا من التكذيب، قالت لهم رسلهم إنا رسل الله إليكم ولو كنا
كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم وستعلمون لمن تكون له
عاقبة الدار، ولكن أهل القرية تمادوا في طغيانهم وراحوا يتطيرون بهؤلاء المرسلين
ويقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم وإنكم إذا لم تنتهوا فسوف نرجمكم بالحجارة
وسيصيبكم منا عقوبة شديدة، فقالت لهم رسلهم إن تشأومكم مردود عليكم وأنتم ما
قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا إلا من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم
بتوحيد الله وإخلاص العبادة له بل أنتم قوم مسرفون لتشأومكم وكفركم وفسادكم .
وقد قيض الله لهؤلاء الرسل من يدافع عنهم فجاءهم من أقصى
المدينة رجل يسعى لينصرهم من قومه. فلما همّ قومه بقتل الرسل جاءهم فوعظهم أحسن ما
تكون الموعظة وذكرهم بحق الله من العبادة والتعظيم فقتلوه فما خرجت روحه إلا إلى
الجنة فدخلها: وفيه قول الله له: "قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ
قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ٢٦" (سورة ياسين: 26}، فلما دخل الجنة وعاين ما أكرمه
الله به لإيمانه وصبره فيه قال: يا ليت قومي يعلمون أن السبب الذي من أجله غفر لي
ربي ذنوبي، وجعلني من الذين أكرمهم الله بإدخاله إياه جنته، كان إيماني بالله
وصبري فيه، حتى قتلت في سبيل الله، فيؤمنوا بالله ويدخلوا الجنة. وهذا وعد الله
للمجاهدين في سبيله: الجنة أحياء فيها يرزقون: "وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ
أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ١٦٩ (سورة آل عمران: 169).
قال الله تعالى: وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ
بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ٢٨ إِن كَانَتۡ
إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ٢٩ يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ
مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ٣٠ أَلَمۡ
يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا
يَرۡجِعُونَ٣١ وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ٣٢ (سورة ياسين:
28-32). تبين الآيات أن هلاكهم وتدميرهم
لا يستأهل نزول الملائكة من السماء، وإنما كانت صيحة واحدة أرضية أو سماوية أو من
جبريل عليه السلام خسروا بها الدنيا
والآخرة، وانتقلوا من عقوبة الدنيا وعذابها إلى عقوبة الآخرة وجحيمها. وذلك
تحقيراً لشأنهم. فأين تهديدهم وأين وعيدهم وأين صولة الباطل وانتعاش المبطلين؟ .
قصة مؤمن آل ياسين تمثل نبراساً للدعاة في كيفية الصبر على
الدعوة، وتحمل المشاق من أجل نجاحها وإيصالها إلى الناس، حتى وإن كان الثمن
التضحية بالنفس، فمؤمن آل ياسين ضحى بنفسه من أجل الدعوة، ولم يكتف بدعوة قومه
حياً، بل تمنى هدايتهم بعد قتلهم إياه.
تبين القصة أيضا أن عاقبة المؤمنين والمكذبين لا تختلف من
قوم إلى قوم ولا من زمان إلى زمان. فالمؤمنون ينظرون إلي الدنيا كدار اختبار ومحطة
عابرة نحو الآخرة، مع التركيز على رضى الله، بينما يرى المكذبون الدنيا كغاية،
ويغرقون في ملذاتها وشهواتها، ويغفلون عن الحقيقة الآخرة. يجد المؤمنون رؤية الله
في الدنيا كمعرفة ومحبة، ويرونها في الآخرة كنعيم لا يضاهى، بينما يرى المكذبون أن
قلوبهم قد غطى عليها ما اكتسبوا من الآثام، مما يحجب عنهم رؤيته في الآخرة. لذا
يبيع المؤمنون أنفسهم وأمولهم لله راضين مطمئنين بأن لهم الجنة. فالاستشهاد في
سبيل الله غايةيسألونه الله.
وتوضح القصة أن الكثير من الناس يظنون أن الذي يموت على
فراشه وبين زوجته وأولاده يموت موتا مريحة، كأنه لا يجد من سكرات الموت إلا الشيء
اليسير. وأن الذي يقتل في سبيل الله عز وجل تكون سكرات الموت له شديدة. الواقع أن
الذي يموت على السرير هو الذي يجد الآلام الشديدة. فقد صح في الحديث: الشهيدُ لا
يَجِدُ ألم القتْلِ إلَّا كما يَجِدُ أحدُكم مَسَّ القرصَةِ (الراوي : أبو قتادة؛ المصدر:
صحيح الجامع؛ خلاصة حكم المحدث (الألباني): صحيح). كذلك روي عن سيدنا على ابن أبي
طالب أنه كان يحرض على القتال وبقول: قاتلوا، فإنكم إن لم تقتلوا متم على الفرش،
فوالذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش. ليس هناك سبيل للنجاة من
سكرات الموت، إلا أن يرزق الإنسان الشهادة، وإن درجة الشهادة عند الله عز وجل
ومنزلة الشهداء خصالها أماني يتمناه كل مؤمن. وقد عدد هذه الخصال سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيما روي عن المقدام بن معدي كرب أنه قال: للشَّهيدِ
عِندَ اللَّهِ ستُّ خصالٍ : يُغفَرُ لَه في أوَّلِ دَفعةٍ ويَرى مقعدَه منَ
الجنَّةِ ويُجارُ مِن عذابِ القبرِ ويأمنُ منَ الفَزعِ الأكبرِ ويُوضعُ علَى رأسِه
تاجُ الوقارِ الياقوتةُ مِنها خيرٌ منَ الدُّنيا وما فِيها ويزوَّجُ اثنتَينِ
وسبعينَ زَوجةً منَ الحورِ العينِ، ويُشفَّعُ في سبعينَ مِن أقاربِه (المصدر: صحيح
الترمذي؛ خلاصة حكم
المحدث (الألباني): صحيح).

تعليقات