الإتقان هو:
"إحكام الشيء على وجه الدِقة والضبط"؛ وهو: "عمل يتعلق بالمهارات
التي يكتسبها الإنسان من مفاهيم تؤثر على الإنتاج في المستقبل بمعايير أداء عالية
للغاية".
من منظور
إسلامي يَعتبرُ إتقان العملَ وسيلةً رئيسة ومحورية للرزقِ الحلالِ. لهذا يدعو الدين
الإسلامي المسلم إلى المشي في مناكب الأرض سعيا إلى الرزق. فلا ينتظر المسلم أن
ياتيه الرزق وهو للكسل والتواكل صاحب وللفتور أليف وصديق. فكما يقول المثل:
"أن السماء لا تمطر ذاهبا ولا فضة"، وأن ما أتينى من صحة وقوة من الله
إلا للضرب في الأرض تعميرا وإصلاحا، مستشعرين مُراقبة الله تعالى في كل خطوة نخطوها
في عملنا، جودة وإتقانا، وعلى الوجه الذي يرضاه الله.
يضرب الله
المثل على على إتقانه كل شيء من السموات السبع والأرض والجبال والكواكب والنجوم
والإنسان لنرى عظيم قدرته ونتأسى به في كل أعمالنا في قوله سبحانه وتعالى:
"ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ
عَمَلاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ٢ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰت طِبَاقاۖ
مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ
تَرَىٰ مِن فُطُور٣ ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ
ٱلۡبَصَرُ خَاسِئا وَهُوَ حَسِير٤" (سورة الملك: 2)، و في قوله سبحانه وتعالى: "وَتَرَى
ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ
ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ٨٨"، (سورة
النمل: 88). وفي قوله: "ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارا
وَٱلسَّمَآءَ بِنَآء وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ
ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ
ٱلۡعَٰلَمِينَ٦٤"، (سورة غافر: 64.) وينبهنا الله سبحانه وتعالى أن مهمتنا
الأساسية في الأرض الاستخلاف عبادة واعمارا وإصلاحا، في قوله سبحانه وتعالى:
"وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ
مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ
وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ
رَبِّي قَرِيب مُّجِيب٦١ ا" (سورة هود: 61). فالعبادة دون عمل ليست مراد الله
من خلق الإنسان، فالعمل والجد والاجتهاد بهمة عالية واجب على كل انسان، وذلك في
قوله سبحانه وتعالى: "وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ
وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ
وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ١٠٥" (سورة التوبة:
105 ). وخير العمل العمل الصالح الذي ننال به التوفيق والنجاح في الدنيا، ويرضي
الله ورسوله في الأخرة. فالعمل الصالح يدعم المُجتمع ويعزز قوته، ويرفع من مُعدّل
الإنتاجِ ونوعيّته، ويعم به الخير على الجميع.
تذكرنا السنة
النبوية أن ثمرة العمل المتقن صدقات تضاف إلى صحائف العبد كلما انتفع به إنسان
أوطير، في قوله: "عَنْ أَنَسٍ بن مالك قَالَ: قَالَ الرَسُولُ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا،
فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ
" (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: صحيح البخاري). وتذكرنا السنة النبوية أيضا
أن إتقانُ العملِ فريضةٌ على المسلمِ، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ
اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتَلتُم فأَحْسِنوا القِتْلةَ، وإذا
ذبَحتُم فأَحْسِنوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرتَه، ولْيُرِحْ
ذَبيحتَه" (الراوي: شداد بن أوس؛ المصدر: سنن أبي داود). وتشدد السنة النبوية
على إتقان العمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ تعالى
يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ"، (الراوي: عائشة أم
المؤمنين؛ المصدر: صحيح الجامع). ولإتقان العمل ضروب شتى، فقد يكون بالقيم به على أكمل
وجه، وتاديته بأمانةٍ وإخلاصٍ تجاهَ أسرته ومُجتمعهِ والمكان الذي يعيشُ فيهِ. وقد
يكون من خلال تقديم يدَ العونِ ومساعدة الآخرينَ في قضاءِ حوائجهم، والعمل على
تسهيلِ أمور حياتهم، وقد يكون من خلال النصح الأمين والقول السديد مصدقا لقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم:"إن العبدَ إذا نَصَحَ لسيدِه وأحسنَ عبادةَ اللهِ
فله أجرُه مرتين"، (الراوي: عبدالله بن عمر؛ المصدر: صحيح أبي داود). واتقان
العمل واجبٌ شرعيّ على كل مسلم: مُوظفٍ أو عامل، حاكمُ أو سلطان، أب أو أم، وذلك في قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو
مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن
رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن
رَعِيَّتِهَا، والخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ.
قالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
وأَحْسِبُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: والرَّجُلُ في مَالِ أبِيهِ
رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن
رَعِيَّتِه"، (الراوي: عبدالله بن عمر؛ المصدر: صحيح البخاري).]
.png)
تعليقات