الوفاء هو:"الحفظ
والصون للعهود والوعود، مع الحرص على أداء الأمانات والحقوق لأصحابها، والاعتراف
بما قدّموه من الأفعال الحسنة، والحرص على صيانة المودّة والمحبّة". وهو يعني
أيضا: "الاخلاص، وعدم الغدر أو الخيانة، والبذل والعطاء، والود والمحافظة على
العهد".
الوفاء قيمة أخلاقيه
تتمثل في التفاني من أجل قضية ما أو شيء ما بصدق خالص.
والوفاء أصل
الصدق، والفرق بينهما أن الوفاء يكون بالفعل، والصدق يكون في القول. لهذا فالوفاء
أعم من الصدق فكل وفاء صدق، وليس كل صدق وفاء. َّ
والوفاء أنواع:
وفاء بالعهد وإتمامه ولو كلف النفس ثمناً باهظا، ووفاء بالعقد، و وفاء بالوعد. والوفاء
بذل وعطاء وتضحية لمن كنت له وفيا، وصبرا عليه وعدم التفريط فيه، والحرص والخوف
عليه من الأذى ومراعاة شعوره وأحاسيسه، وتقدير جهوده والشكر له، وكتم سره والحفاظ
على خصوصياته، والعمل على إسعاده، وذكر محاسنه وتجاهل أخطائه.
والوفاء لا
ترصد فيه ولا إساءة ولا ظلم ولا نكران ولا جرح. وأجمل أنواع الوفاء وفاء الزوج
لزوجه وفاءا يشمل كل تفاصيل الحياة، وينساب حباً ووداً و رحمة وتقديراً وإخلاصاً.
يأمر الله
عباده المؤمنين بالوفاء بالعهد في قوله:"يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ
نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ
بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ٤٠" (سورة البقرة: 40) ؛ والوفاء بالكيل
والميزان في قوله: "وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي
هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ
بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ
فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ
وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ١٥٢" (سورة الأنعام: 152)؛ والوفاء
بالعهد في قوله: "لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ
ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى
ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ
وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ
وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ
وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧" (سورة
البقرة: 172). وعهد الله هو الإيمان به, وبرسله وإقامة شرعه، أي: أوامره ونواهيه.
ووفاء الله بعهده هو التمكين لهم في الأرض في الدنيا والسعادة في الآخرة. ويأمر
الله عباده بالوفاء بالعقود في قوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (سورة المائدة: 1)، والعقود هي كل العقود الموثقة التي
بين الناس وبعضهم البعض (عقود الأنكحة وعقد الصداق وعقد الحلف وعقد المعاهدة
والأمان والضمنى: عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية.والإجارة. ويمتدح الله
سيدنا إسماعيل لوفاءه بالوعد في قوله: "وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ
إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيّا٥٤ " (سورة مريم: 54). والوعد
هو الوفاء بكل ما يعد الانسان. كما يمتدح القرآن وفاء سيدنا إبراهيم عليه السلام
لقيامه بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه وذلك في قول الله سبحانه وتعالى:"
وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ٣٧ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَة وِزۡرَ
أُخۡرَىٰ٣٨" (سورة النجم: 37-38). كذلك تتحدث آيات القران عن أن الوفاء سبيل
الوصول إلى أعلى درجات القرب من الله عز وجل، وذلك في قول الله سبحانه
وتعالى:"إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ
ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ
وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيما١٠"
(سورة الفتح: 10)
من كمال
الوفاء في السنة النبوية وفاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعدائه:
"فثبت عنه أنه قال لرَسولَيْ مسيلِمَةَ - حينَ قرأَ كتابَ مسيلِمةَ: ما
تقولانِ أنتُما ؟ قالا: نقولُ كما قال، قال: أما واللَّهِ لولا أنَّ الرُّسلَ لا
تُقتَلُ لضربتُ أعناقَكُما" (الراوي: نعيم بن مسعود الأشجعي؛ المصدر: الأحكام الشرعية الصغرى). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه
قريش، فأراد المقام عنده، وأنه لا يرجع إليهم: "إني لا أخيس بالعهد (أي: لا
أَنقُضُ العَهدَ ولا أُفسِدُه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الكافِرَ مُحرَّمٌ دمُه
ومالُه ما دامَ في عَقدِ أمانٍ)، ولا أحبس البرد (أي: الرُّسُلَ، وإنَّما لم
يتَعرَّضْ للرُّسلِ بمَكْروهٍ؛ لأنَّ قصْدَ الرِّسالةِ أمَّنَه, فمَجيئُه ورُجوعُه
ضِمْنَ عَقدِ الأمانِ، فصار في حُكمِ المُستَجيرِ, وأمانُ الرُّسُلِ مِن المصالِحِ
العامَّةِ)، ولكن أرجع إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع"
(الراوي: أبي رافع؛ المصدر: صحيح أبي داود)؛ وثبت عنه أنَّه ردَّ إلي قريش أبا
جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يردَّ إليهم من جاءه منهم مسلمًا وذلك فيما
روي عن البراء بن عازب أنه قال: "صَالَحَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ المُشْرِكِينَ يَومَ الحُدَيْبِيَةِ علَى ثَلَاثَةِ أشْيَاءَ: علَى أنَّ
مَن أتَاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدَّهُ إليهِم، ومَن أتَاهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ
لَمْ يَرُدُّوهُ، وعلَى أنْ يَدْخُلَهَا مِن قَابِلٍ ويُقِيمَ بهَا ثَلَاثَةَ
أيَّامٍ، ولَا يَدْخُلَهَا إلَّا بجُلُبَّانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ والقَوْسِ
ونَحْوِهِ (والجلبان بضم الجيم وسكون اللام شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف
مغمورا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه في آخرة الكور أو وسطه)، فَجَاءَ
أبو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ في قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إليهِم قَالَ أبو عبدِ اللَّهِ:
لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ عن سُفْيَانَ: أبَا جَنْدَلٍ، وقَالَ: إلَّا بجُلُبِّ
السِّلَاحِ" (الروي: البراء بن عازب؛ المصدر: صحيح البخاري). وثبت عنه
ما روي عن حذيفة أنه قال: "ما مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إلَّا
أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قالَ: فأخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ،
قالوا: إنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: ما نُرِيدُهُ، ما نُرِيدُ
إلَّا المَدِينَةَ، فأخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ
إلى المَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ معهُ، فأتَيْنَا رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عليه وسلَّمَ، فأخْبَرْنَاهُ الخَبَرَ، فَقالَ: انْصَرِفَا، نَفِي لهمْ
بعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عليهم" (الروي: حذيفة بن اليمان؛ المصدر:تخريج المسند لشعيب). ومن وفائه ﷺ لزوجاته ما روي عن
السيدة عائشة أنها قالت: "ما غرت على أحد من أزواج النبي ﷺ ما غرت على خديجة،
وما بي أن أكون أدركتها؛ وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله ﷺ، وإن كان ليذبح الشاة
فيتتبع بها صدائق خديجة؛ فيهديها لهنَّ" (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر: سنن الترمذي). ومن وفاء النبي بالعهد قوله صلى الله
عليه: "أن أكبر عهد وميثاق بين إنسانين هو ميثاق الزواج، فعَنْ عُقْبَةَ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَحَقُّ مَا
أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ
الْفُرُوجَ" (الراوي: عُقْبَةَ؛ المصدر: صحيح البخاري).

تعليقات