التوازن في
توزيع الثروات هو: "عمليات إعادة التوزيع المُفترَضة من أولئك الذين يملكون
الكثير إلى أولئك الذين يملكون القليل".
تعتبر الضرائب أو الأعمال الخيرية أو الرعاية الاجتماعية أو
الخدمات العامة أو إصلاح الأراضي أو السياسات المالية أو المصادرة من الأليات
التي تستخدم لإعادة توزيع الدخل والثروة، على نطاق الاقتصاد ككل، أو بين أفراد
مُختارين. لكن لا يجب الخلط بين سياسة ضرائب إعادة التوزيع مع سياسات التوزيع
المسبق التي تنص على أن الدولة يجب أن تحاول تجنب حدوث حالات عدم المساواة في
المقام الأول بدلًا من محاولة معالجتها عن طريق الضرائب بعد حدوثها. على سبيل
المثال، بأن تطلب من أرباب العمل أن يدفعوا لكل موظفيهم أجرًا معيشيًا وليس أجرًا
بالحد الأدنى، كردّ «تصاعدي» على حالات انعدام المساواة في الدخل أو معدلات الفقر
المرتفعة. يجب أن تكون سياسة إعادة توزيع الدخل والثروة منزهه عن التحيز لطبقة اجتماعية دون أخرى، وأن
تهدف إلى تقليل التفاوت الاجتماعي وتحقيق أكبر قدر من الرعاية الاجتماعية.
من الأمور
الطبيعية أن تتفاوت الناس في الدخول والثروات؛ لتفاوتهم في مواهبهم وقدراتهم. وهذا
التفاوت متعلّق بأقدار الله، ثم مدى سعي الناس من أجل رزقهم. من منظور إسلامي
يعتبر التفاوت ضرورة لخلق الحوافز وتحقيق التعاون والتكامل على المستوى المحلي
والدولي. لكن الإسلام يرفض بشدة التفاوت الفاحش في توزيع الدخول والثروات، كما في
قول الله سبحانه وتعالى: "مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ
أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ
وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ
ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ
ٱلۡعِقَابِ٧" (سورة الحشر:7)؛ أي حتى تستأثر فئة بالمال دون غيرها، سواء على
مستوى أفراد المجتمع المحلي أو بين الدول وهذا يوضح مدى سمو التشريع الاقتصادي
الإسلامي في تحيق العدالة الاجتماعية من خلال ضبط التفاوت الفاحش في توزيع الدخول
والثروات.
لاهمية الزكاة
والصدقة في الإسلام في توزيع الثروات رغب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين فيهما
في الأحاديث النبويّة الشريفة وحثّ كل مسلم ومسلمة على القيام بهما. فكمال إسلام
المرء لايتم إلا بتأدية الزكاة إذا كان عنده من المال ما يستحق الزكاة، فالزكاة
ركن من أركان الإسلام الخمس التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:
"بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ
أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ،
وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ"، (الراوي: عبد الله بن عمر؛ المصدر: صحيح البخاري). كذلك قرن النبي صلى
الله عليه وسلم الإيمان بالزكاة في قوله: "خَمسٌ مَن جاء بهِنَّ معَ إيمانٍ دخَلَ الجَنَّةَ، مَن حافَظَ على
الصلَواتِ الخَمسِ على وُضوئِهِنَّ، ورُكوعِهِنَّ، وسُجودِهِنَّ، ومَواقيتِهِنَّ،
وصامَ رمضانَ، وحجَّ البيتَ إنِ استَطاعَ إليه سَبيلًا، وأَعْطى الزكاةَ طيِّبةً
بها نفْسُه، وأدَّى الأمانةَ" قالوا: يا أبا الدَّرْداءِ، وما أداءُ
الأمانةِ؟ قال: الغُسلُ منَ الجَنابة"، (الراوي:
أبو الدرداء؛ المصدر: تخريج سنن أبي داود)؛ وأن من قام بالزكاة مع الإيمان دخل
الجنة في قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال:
"كنتُ معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ
وسلَّمَ في سفَرٍ، فأصبَحتُ يومًا قريبًا منهُ ونحنُ نَسيرُ، فقلتُ: يا رسولَ
اللَّهِ أخبرني بعمَلٍ يُدخِلُني الجنَّةَ ويباعِدُني من النَّارِ، قالَ: لقد
سألتَني عَن عظيمٍ، وإنَّهُ ليسيرٌ على من يسَّرَهُ اللَّهُ علَيهِ، تعبدُ اللَّهَ
ولا تشرِكْ بِهِ شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ،
وتحجُّ البيتَ، ثمَّ قالَ: ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ: الصَّومُ جُنَّةٌ،
والصَّدَقةُ تُطفي الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجلِ من جوفِ
اللَّيلِ قالَ: ثمَّ تلا تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ
رَبَّهُمْ، حتَّى بلغَ يَعْمَلُونَ، ثمَّ قالَ: ألا أخبرُكَ بِرَأسِ الأَمرِ
كلِّهِ وعمودِهِ، وذِروةِ سَنامِهِ؟ قلتُ: بلى يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: رأسُ
الأمرِ الإسلامُ، وعمودُهُ الصَّلاةُ، وذروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قالَ: ألا
أخبرُكَ بملاكِ ذلِكَ كلِّهِ ؟ قُلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ، قال: فأخذَ
بلِسانِهِ قالَ: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ
بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ
في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم"، (الراوي: معاذ بن جبل؛ المصدر: صحيح الترمذي). كذلك
أوضح النبي أن الصدقة طهر للصائم في قوله رضي الله عنه قال: "فَرَضَ رسولُ اللهِ صدقةَ الفطرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ
مِنَ اللَّغْوِ والرَّفثِ، طُعْمَةً لِلْمَساكِينِ ، فمَنْ أَدَّاها قبلَ
الصَّلاةِ؛ فهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أَدَّاها بعدَ الصَّلاةِ؛ فهيَ صدقةٌ
مِنَ الصدقةِ"، (الراوي: هبد الله بن عباس؛ المصدر:
صحيح الترغيب)؛ وحث المسلم على المسارعة بالصدقات في قوله: "سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ:
تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتي علَيْكُم زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بصَدَقَتِهِ، فيَقولُ
الرَّجُلُ: لو جِئْتَ بهَا بالأمْسِ لقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فأمَّا اليومَ فلا
حَاجَةَ لي فِيهَا" (الراوي: حارثة بن وهب الخزاعي؛ المصدر:
صحيح البخاري)؛ كما أخبر المسلمين أن الله هو من يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه في
قوله صلّى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ
يقبلُ الصدقةَ ويأخذها بيمينِهِ فيُرَبِّيها لأحدكم كما يُرَبِّي أحدكم مهرَهُ حتى
إنَّ اللقمةَ لتصيرُ مثلَ أُحُدٍ وتصديقُ ذلك في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ {أَلَمْ
يَعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ
الصَّدَقَاتِ} و {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}"، (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: عارضة الأحوذي). وقد صور
النبي صلى الله عليه وسلم حال المتصدق كلما تصدق وحال البخيل كلما أمسك أدق تصوير
في قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن سيدنا أبي هريرة: "ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَثَلَ
البَخِيلِ والْمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عليهما جُبتانِ مِن حَدِيدٍ، قَدِ
اضْطُرَّتْ أيْدِيهِما إلى ثُدِيِّهِما وتَراقِيهِما، فَجَعَلَ المُتَصَدِّقُ
كُلَّما تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عنْه، حتَّى تُغَشِّيَ أنامِلَهُ
وتَعْفُوَ أثَرَهُ، وجَعَلَ البَخِيلُ كُلَّما هَمَّ بصَدَقَةٍ قَلَصَتْ،
وأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها. قالَ: فأنا رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: بإصْبَعِهِ في جَيْبِهِ فلوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُها
ولا تَوَسَّعُ"، (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح
مسلم).

تعليقات