معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ صحابي وفقيه وقارئ القرآن وراوي
للحديث النبوي من الأنصار من بني أدّى من بني جشم بن الخزرج. أمه هند بنت سهل
الجُهنية. و أولاده عبد الرحمن وأم عبد الله وولد آخر لم يذكر اسمه.
أسلم معاذ بن جبل وعمره 18 سنة، وشهد بيعة العقبة الثانية، وهو شابًا
أمردًا لم تُنبت لحيته بعد. ولما أسلم تولّى مع ثعلبة بن عنمة وعبد الله بن أنيس
تكسير أصنام بني سلمة، وهم بطن من بطون قبيلته الخزرج. ولما هاجر سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، آخى بينه وعبد الله بن مسعود. وشهد غزوة بدر وباقي المشاهد مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
بعد هجرة معاذ بن جبل إلى المدينة لم يفارق سيدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الإسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله
وأعلمهم بشرعه. وأخذ عنه العلم والحكمة. فقد روي عن معاذ بن جبل أنه قال: أنَّ
رسولَ اللَّه صلَّى اللَّه علَيهِ وسلَّمَ أخذَ بيدِهِ، وقالَ: يا مُعاذُ،
واللَّهِ إنِّي لأحبُّكَ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّك، فقالَ: أوصيكَ يا معاذُ لا
تدَعنَّ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ،
وحُسنِ عبادتِكَ (المصدر: صحيح أبي داود؛ خلاصة حكم المحدث: صحيح). وروي عن عبد
الله بن عمرو بن العاص: أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ أرادَ سَفرًا فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ
أوصِني، قالَ: اعبُدِ اللَّهَ ولا تشرِكْ بِهِ شيئًا، قال:َ زدني يا رسولَ اللَّهِ
قالَ : إذا أسأتَ فأحسن، قالَ: زدني، قالَ: استقم ولتحسِّن خلقَكَ (المصدر:
الأمالي المطلقة؛ خلاصة حكم المحدث: حسن).
كان معاذ بن جبل شابًا جميلًا سمحاً من خَير شبابِ قَومه، ذو صفاتٍ
حميدة منها العلم والورع والزهد والكرم والعبادة، ووُصف بأنه أعلم قومه وأعلمهم الحلال
والحرام و أقرأهم لكتاب الله. فقد وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أرْأَف أمتي بأمتي أبو بكرٍ، وأشدُّهم في دينِ اللهِ عمرَ،
وأصدقُهم حياءً عثمانُ، وأقضاهم عليٌّ، وأفرضُهم زيدُ بنُ ثابتٍ، وأقرؤهم أُبَيُّ،
وأعلمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، ألا وإنَّ لكلِّ أمةٍ
أمينًا، وأمينُ هذه الأمةِ أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاحِ (المصدر: صحيح الجامع؛ خلاصة
حكم المحدث : صحيح). وسئل أنس بن مالك: مَن جَمع القُرْآنَ علَى عَهْدِ رَسولِ
اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ؟ قالَ: أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصَارِ:
أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ،
وَرَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ (المصدر: صحيح مسلم؛ خلاصة حكم
المحدث : صحيح). وروى عبد الله بن عمرو عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود و أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ومعاذ بن جبل وسالم مولى
أبي حذيفة (البخاري ومسلم).
ولما فتح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في رمضان سنة 8 هـ،
خلف معاذًا يُقرئهم القرآن، ويفقههم في دينهم. وفي ربيع الآخر سنة 9هـ. بعثه سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملاً له على بعض نواحي اليمن. ثم عاد من اليمن وقد
توفي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. خرج
إلى الشام، فشهد الفتح الإسلامي للشام، وشارك في معركة اليرموك. وفي عهد سيدنا عمر
رضي الله كان يعلم اهل الشام القرأن ويفقههم في الدين.
كان معاذ بن جبل زهد متعبدا، ورعا تقيا، ينظر إلى الدينا أنها دار
عمل وأن الأخرة دار الجزاء. يروي مالك الداري أن سيدنا عمر بن الخطاب أخذ أربعمائة
دينار فجعلها في صرة فقال لغلامه اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة
حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها الغلام إلى معاذ وقال له: يقول لك أمير المؤمنين اجعل
هذه في بعض حاجتك. فقال معاذ بن جبل معاذ: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية اذهبي
إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله
مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع
الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
كان معاذ بن جبل ورعا تقيا، متعبدا
تقيا، حكيما. ومن ورعه وتقواه ما يرويه عنه يحيى بن سعيد، فيقول: كان تحته امرأتان
فإذا كان عند إحداهما لم يشرب أو يتوضأ في بيت الأخرى. ولما توفيتا في السقم الذي
بالشام والناس في شغل فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر. وعن
تعبده واجتهاده يقول عنه ثور بن يزيد: أنه إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت
العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف،
اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. ومن مواعظه
وحكمه، ما يرويه أبي إدريس الخولاني أنه كان يقول للناس: إن من ورائكم فتنًا يكثر
فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر
والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما
أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع
ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول
المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله
أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا
يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون. وما يرويه عنه عبد الله بن سلمة: أن
رجل قال له علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل
ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. كما يروي
عنه محمد بن سيرين، أنه كان يقول لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن
أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة
أخرها. وقيل أن رجل أتى معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه فقال: إني
موصيك بأمرين إن حفظتهما حُفِظْتَ إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى
نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما
فتزول به معك أينما زلت. وما روي عن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ
بن جبل معاذ قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما
أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني
وكلفن الفقير ما لا يجد.
توفي الصحابي الجليل معاذ بن جبل في العام الثامن عشر من الهجرة بسبب
وباء طاعون عمواس في الأردن، عن عمر يناهز الثلاثة والثلاثين.

تعليقات