الصدق: "قول الحق ومطابقة الكلام للواقع"
(تعريف فقهاء المسلمين). ويعرف الراغب الأصفهاني الصدق بأنه: "مطابقة
القول الضمير والمخبَر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا
تامًّا".
الصدق يعني أن تكون صادقًا وعادلاً في جميع تعاملاتك مع
الآخرين، كما يعني أيضا الاستعداد للاعتراف بالخطأ عندما ترتكب خطأ. فعدم
الاعتراف بالخطأ يوقع الضرر بالأخرين ممن تتعامل معه سواء كان محاسب في متجر أو
شركة أو مؤسسة أو نادل بأحد الأندية أو المطاعم.
فاستغلال خطأ أيا ممن تتعامل معهم أمر غير مقبول وعمل يتسم بعدم الأمانة،
وخلق سيء. بالإضافة إلى ان هذا السلوك السيء يكلف الأخرين ثمن عدم أمانتك ظلما
وعدوانا.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن: ما الفرق بين
الحقِّ والصدق؟ قبل الاجابة على هذا السؤال ينبغي معرفة ما هو الحق. فالحق
اصطلحا هو :"الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال، والعقائد، والأديان،
والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل". وأما الصدق، فقد شاع في الأقوال خاصة، ويقابله الكذب. لهذا فإن الفرق بينهما المطابقة: ففي الحق الواقع
يطابق الحق، وفي الصدق الصدق يطابق الواقع. وهذا يجرنا إلى استفهام آخر؛ إذا ما
الفرق بين الصدق والوفاء؟ الصدق يكون في القول؛ لأنه نوع من أنواع الخبر،
والخبر قول، والوفاء يكون بالفعل. إذا كل وفاء صدق، وليس كل صدق وفاء. واخير ما الفرق بين الصَّادق
والصِّدِّيق؟ يقول الماوردي: "والفرق بين الصَّادق والصِّدِّيق: أن الصادق
في قوله بلسانه، والصديق من تجاوز صدقه لسانه إلى صدق أفعاله في موافقة حاله سرا
وجهرا، فصار كلُّ صِدِّيق صادقًا، وليس كل صادق صِدِّيقًا". فهذا سيدنا
أبوبكر رضي الله عنه يصدق النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا في حادثة الإسراء
والمعراج عندما هرع إلية أبو جهل وقومه يُخبروه بما حدّثهم الرسول صلى الله عليه
وسلم، قال قولته المشهورة: "إن كان قاله فقد صدق". وها هو القرآن يمدح
سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه صديق في قول الله سبحانه وتعالي: "وَاذْكُرْ
فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا" (سورة
مريم: 41)؛ لصدقه في أقواله وأفعاله وأحواله، والمصدق بكل ما أمر بالتصديق به.
إذا الصديق صدق ووفاء. الصدق من الأخلاق الحسنة المحمودة، بل يعدّ تاج القيم
الاخلاقية وأفضلها على الإطلاق؛ لكونه إحدى الدعائم والركائز - بل إن شئت فقل:
اهمها واجلها - التي تُساهم في استقامة حياة الفرد، وصلاح العلاقات الإجتماعية
بين أفراد المجتمع. ومن الثمرات والفوائد المترتبة على التّحلّي بها: الحفاظ على
نقاء المُعتَقَد وسلامته من لوثات الشرك الخفي وغيره؛ والحفاظ على الإستقامة
والثبات عليها، ومحبة الصالحين والصادقين وكثرة مجالستهم والإختلاط بهم،
والاخلاص في العبودية لله واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسن العاقبة في
الدنيا والآخرة، ومراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، وعلو المنزلة في
المجتمع، واطمئنان وراحة النفس. ومن عاقبة الصدق الخير وحصول البركة العاجلة
والآجلة ودوام صلة العبد الصادق بالله بالدعاء والتضرع والوفاء بالعهد
وقد حث القرأن ورغب على الصدق في العديد من الآيات،
منها قول الله سبحانه: "مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ
ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ
وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلا"، سورة الاحزاب: 23. وقوله جل
شأنه:"وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ
ٱلۡمُتَّقُونَ٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ
ٱلۡمُحۡسِنِينَ٣٤ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ
وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٣٥"، (سورة
الزمر: 33-35). وأنبأنا القرآن أن الصدق الحق هو صدق الله، الم تقرأ قول الله
سبحانه وتعالى:"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا" (سورة
النساء:
١٢٢)،
وقوله سبحانه وتعالى: "وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا
هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا
زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا" (سورة لأحزاب: 22). وأن الصدق من
أجل الصفات التي أثنى الله به على كثير من أنبيائه، فقال القرآن عن نبي الله إبراهيم: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ
إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ٤١" (سورة مريم: 41). وقال عن سيدنا إسماعيل
عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة واتم التسليم: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ
إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا"
(سورة مريم:54) وعن سيدنا يوسف:"يُوسُفُ أَيُّهَا
الصِّدِّيقُ" (سورة يوسف: 46)، وعن سيدنا إدريس:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقًا نَبِيًّا" (سورة مريم: 56)، أما رسولنا الكريم صلى الله عليه
وسلم فقد وصفه الله بصاحب الخلق العظيم في قوله سبحانه وتعالى:"وَإِنَّكَ
لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم٤" (سورة القلم: 4). وأن الصدق من اسباب دخول صاحبه
الجنة، وقد دلّ على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: "قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم
بِخَيۡر مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰت تَجۡرِي
مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰج مُّطَهَّرَة وَرِضۡوَٰن
مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ١٥ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ
إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ١٦
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ
وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ١٧" (سورة آل عمران: 15-17)؛ وأنه يصبغ
صحابه بصفات أهل الايمان والتقوي، ويدل على ذلك قول الله سبحامه وتعالى:
"إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ
وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ
وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ
وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ
فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَة وَأَجۡرًا عَظِيما٣٥" (سورة الاحزاب:35).
وقد حث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين
على الصدق مع الناس في قوله:"آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ
كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"، (الروي: أبو
هريرة؛ المصدر: صحيح البخاري)؛ والصدق مع النفس في قوله:"دَعْ مَا
يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ،
وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ"، (الروي: الحسن بن علي بن أبي طالب؛ المصدر: إرواء
الغليل)، والصدق في البيع والشراء لينالوا البركة، ويدل على ذلك قول رسول الله ﷺ:"الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا
وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ
بَيْعِهِما" (الراوي: أبي خالد حكيم
بن حزام؛ المحدث: صحيح مسلم).
من فضل الصدق في الإسلام أن الصادق يكون أفضل الناس،
وقد دلّ على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قيل لرسولِ اللهِ
-صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ- أيُّ الناسِ أفضلُ قال كلُّ مخمومِ القلبِ [أي نقي
من الغش] صدوقِ اللسانِ" (الراوي: عبد الله بن عمرو؛ المصدر: سنن ابن ماجه)؛
وأنه ينال محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلّ على ذلك قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فدعا بطهورٍ فغمسَ يدهُ فيه فتوضّأ فتتبعناهُ فحسوناهُ، فلما فرغَ قال: ما حملكمُ
على ما صنعتُم ؟ قلنا: حبُّ اللهِ ورسولهِ، قال
:فإن أحببتُم
أن يحبكُم اللهُ ورسولهُ فأدّوا إذا ائتمنتُم واصدُقوا إذا حدثتُم، وأحسنوا
جوارَ من جاوركُم" (الراوي: أبي قرادٍ السلمِيّ؛ المصدر: الإصابة)؛ وأنه
سبب دخول صاحبه الجنة، وقد دلّ على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِرِّ وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وإنَّ
الرَّجلَ ليصدقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللَّهِ صدِّيقًا وإنَّ
الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النَّارِ وإنَّ الرَّجُلَ
ليَكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتَبَ عندَ اللَّهِ كذَّابًا" (الراوي:
عبدالله بن مسعود؛ المصدر: حلية الأولياء).
.png)
تعليقات