سَعْد
بن أَبي وقاص القرشي الزهري، واسم أَبي وقاص: مالك بن وُهَيب وقيل: أُهيب بن عبد
مناف بن زُهْرة بن كلاب بن مرة. أُمّه حَمْنَةُ بنت
سفيان بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، وقيل: حمنة بنت
أَبي سفيان بن أُمية بنت عم أبي سفيان بن
حرب بن أمية. يَلْتَقِي في نسبه مع النبي فِي كلاب بن مرة. وهو من بني زهرة وهم فخذ آمنة بنت وهب أم الرسول، لذلك يعد من أخوال النبي.
نشأ
سعد في قريش، واشتغل
في بري السهام وصناعة القسي، كان رجلًا قصيرًا، دحداحًا، غليظًا، ذا هامة، شثن (غليظ) الأصابع، جعد الشعر، أشعر الجسد،
آدم، أفطس، يخضب بالسواد. ومن
أحدّ الناس بصرًا.
كان
سعد من أوائل من أسلم، فقد اسلم على يد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وارضاه. وكان إسلامه قبل أن تُفرَض الصلاة، وهو ابن تسع عشرة
سنة، وقيل سبع عشرة سنة. قال عتبة بن غزوان: خطَب عُتبةُ بنُ غَزوانَ فحمِد
اللهَ وأثنى عليه ثمَّ قال : …….لقد رأَيْتُني سابعَ سبعةٍ مع رسولِ اللهِ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم ما لنا طعامٌ إلَّا ورَقُ الشَّجرِ حتَّى قرِحَتْ منَّا
أشداقُنا ولقدِ التقَطْتُ بُردةً فشقَقْتُها بَيْني وبَيْنَ سعدِ فاتَّزَرْتُ
بنِصفِها واتَّزَر سعدٌ بنِصفِها ما منَّا أحَدٌ اليومَ حيٌّ إلَّا أصبَح أميرًا
على مِصْرٍ مِن الأمصارِ وأعوذُ باللهِ مِن أنْ أكونَ عظيمًا في نفسي صغيرًا عندَ
اللهِ وإنَّها لَمْ تكُنْ نبوَّةٌ إلَّا تناسَخَتْ حتَّى تكونَ عاقِبَتُها مُلكًا
ستَبلُونَ الأمراءَ بعدَنا (المصدر : صحيح مسلم؛ خلاصة حكم المحدث (مسلم): صحيح).
روي عن الراوي سعيد بن المسيب أنه قال: سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ يقولُ:
ما أسْلَمَ أحَدٌ إلَّا في اليَومِ الذي أسْلَمْتُ فِيهِ، ولقَدْ مَكَثْتُ
سَبْعَةَ أيَّامٍ وإنِّي لَثُلُثُ الإسْلامِ (المصدر : صحيح البخاري؛ خلاصة حكم
المحدث (صحيح البخاري): صحيح).
جاء
في سبب إسلام سعد أنه رأى رؤيا تحثه على الإسلام. فقد رأى قبل إسلامه كما تروي ابنته
عائشة: كأَنه في ظلمة لا أَبصر شيئًا إِذ أَضاءَ لي قَمَر، فاتَّبعته، فكأَني
أَنظر إِلى من سبقني إِلى ذلك القمر، فأَنظر إِلى زيد بن حارثة، وإِلى علي بن أبي طالب، وإِلي أَبي بكر، وكأَني أَسأَلهم: متى انتهيتم إِلى هاهنا؟ قالوا: الساعة،
وبلغني أَن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يدعو إِلى الإِسلام مسْتخفيًا، فلقيته
في شِعْب أَجْيَاد، وقد صلَّى
العصر،
فأَسلمت، فما تَقَدَّمني أَحد إِلا هم (اسدالغابه في معرفه الصحابه: ابن الأثير،
عزالدین…المجلد : 2 صفحه : 292).
كان
سعد رجلًا بَرًّا بأَمه، فلما أَسلم قالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي أَحدثت؟
لتدعن دينك هذا أَو لا آكل ولا أَشرب حتى أَموت فتعير بي. فقال: لا تفعلي يا
أُمَّاه، فإِني لا أَدع ديني، قال: فمكَثَت يومًا وليلة لا تأَكل، فأَصبحت وقد
جَهِدت، فقلت: واللّه لو كانت لك أَلف نفس، فخَرَجَت نَفْسًا نَفْسًا، ما تركت
ديني هذا لشَيْءٍ. فلما رأَت ذلك أَكلت وشربت، فأَنزل اللّه هذه الآية: "وَإِنْ
جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ
إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٥" (سورة
لقمان: 15).
ومن
مأثر سعد أنه أول من أراق دمًا في سبيل الله. فبينما وهو ونفر من صحبه من المسلمين
في الشعاب، إذ ظهر عليهم نفر من قريش، فناكروهم وعابوا عليهم دينهم، فاقتتلوا،
فضرب سعد رجلًا بلَحيِ جمل فشجه، فكان أول دم أُهريق في الإسلام، وقيل أن المشجوج
هو عبد الله بن خطل.
كان
سعد من المهاجرين الأوائل إلى
المدينة،
حيث كانت هجرته قبل قدوم النبي،
فعن البراء بن عازب قال: أوَّلُ مَن قَدِمَ
عليْنا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وكانا يُقْرِئانِ النَّاسَ،
فَقَدِمَ بلالٌ وسَعْدٌ وعَمَّارُ بنُ ياسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ
في عِشْرِينَ مِن أصْحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَما رَأَيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بشَيءٍ
فَرَحَهُمْ برَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى جَعَلَ الإماءُ
يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَما قَدِمَ حتَّى
قَرَأْتُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} في سُوَرٍ مِنَ المُفَصَّلِ (المصدر
: صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث (البخاري) : صحيح).
كان سعد على
رأس ثالث سرية(سرية
الخرار) يرسلها النبي
صلى الله عليه وسلم، وذلك في
ذي
القعدة على رأس تسعة
أشهر من الهجرة إلى المدينة
المنورة. كانت البعثة من عشرين رجلاً من المهاجرين، لاعتراض عير قريش تمر بالخرار. عهد إليه النبي صل
الله عليه وسلم أن لا يجاوز الخرّار، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو. قال سعد بن أبي وقاص: فخرجنا على أقدامنا
فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرت بالأمس
فانصرفنا إلى المدينة.
شهد
سعد غزوة بدر، و أبلى فيها
بلاءً حسنًا، يقول عبد الله بن
مسعود: «لقد رأيتُ سعدًا يقاتل يوم بدرٍ قتال الفارس في الرجال،
وقَتَل سعد سعيد بن العاص، وأخذ سيفه - وكان يسمّى ذا الكُتَيفَة -، فذهب إلى
النبي يستأذنه في أخذ السيف، فقال له النبي: «اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ فِي الْقَبَضِ»،
فرجع سعد، فلم يلبث حتى نزلت
سورة
الأنفال، فقال له النبي: «اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ».
ورُوِىَ أن سعدًا قد أسر أسيرين يوم بدر.
شهد سعد غزوة أُحُد وثبت يومَ أُحُد مع النبي
حين ولّى النّاس، كان من الرماة في ذلك اليوم، حتى أن الزهري قال: رمى سعد يوم أُحد
أَلف سهم. فكان النبي يقول له: ارم فداك أبي
وأمي.
روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: - رَأَيْتُ عن
يَمِينِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَعَنْ شِمَالِهِ يَومَ
أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عليهما ثِيَابُ بَيَاضٍ، ما رَأَيْتُهُما قَبْلُ وَلَا بَعْدُ،
يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عليهما السَّلَام (المصدر : صحيح مسلم؛ خلاصة حكم
المحدث (مسلم) : صحيح).
بعث
النبي محمد صلى الله عليه وسلم جيش أسامة بن زيد إلى بلاد الشام كآخر بعث في
حياته، حيث كان الهدف هو مهاجمة الروم في أرض البلقاء وفلسطين. تأخر الجيش بسبب
مرض النبي، وبعد وفاته، أصرّ الخليفة أبو بكر على إنفاذ هذا الجيش، والذي حقق
انتصارًا وأعاد الثقة للمسلمين في ظل اضطراب الأوضاع. ولما خرج جيش أسامة بن زيد
من
المدينة، طمع الأعراب في المدينة، فجعل أبو بكر حراسًا على أنقاب المدينة يبيتون
حولها، منهم علي بن أبي
طالب، والزبير بن
العوام، وطلحة بن عبيد
الله، وسعد بن أبي وقاص.
شارك
سعد في حروب الردة التي قادها الخليفة أبو بكر الصديق بعد وفاة النبي محمد ﷺ ضد
القبائل العربية التي ارتدت عن الإسلام أو امتنعت عن دفع الزكاة. بدأت هذه الحروب
عام 632م وانتهت عام 633م بانتصار المسلمين وتثبيت حكمهم في الجزيرة العربية.
شملت هذه الحروب قتال مدعي
النبوة مثل مسيلمة الكذاب، وكذلك الممتنعين عن الزكاة، وعززت من سمعة القادة
المسلمين مثل خالد بن الوليد.
ولما
مات أبو بكر، اجتمع أمر المسلمين على غزو العراق بعد أن نقض أهل الذمة عهودهم التي
كانوا قد عاهدوا عليها المسلمين، وأخرجوا عمَّال المسلمين من بين أظهرهم. .ورأوا
واستصوبوا رأي ابن عوف إلا
يخرج إليهم سيدنا وعمر وأن يرسلوا إليه الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري.
فخرج
سعد إلى العراق في ستة آلاف مقاتل أميرًا على من بها. فلما وصل سعد إلى محلة
الجيوش انتهت إليه رياستها، ولم يبق أميرًا في العراق إلا تحت أمره، وأمدَّه عمر
بأمداد أُخَرَ حتى اجتمع في القادسية ثلاثون ألفًا، وقيل ستة
وثلاثون ألفًا.
سار
سعد في ثلاثين ألف مقاتل إلى القادسية، واجتمع للفرس في هذه المعركة مائتا ألف
مقاتل، وثلاثة وثلاثون فيلًا. ولما تقابل الجيشان في القادسية، كان سعد قد أصابه
عرق النسا ودمامل في جسده فلم يعد يستطيع الركوب، فكان يجلس في قصر متكئ على صدره
فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره.
صلى
سعد بالناس الظهر، ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم، ثم تلا:
"وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ
يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ
١٠٥" (سورة الأنبياء: 105)،
وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره، ثم كبّر أربعًا، ثم بدأ القتال، واستمر القتال
ثلاثة أيام، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت خيول المسلمين
تفر من فيلة الفرس، واستطاع المسلمون قتل الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها. فلما
كان وقت الزوال من هذا اليوم، ويسمى: يوم القادسية، وكان يوم الاثنين من المحرم
سنة 14 هـ، هبت ريح
شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم، فبادر فركب بغلته وهرب
فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا
جالينوس مقدمة الطلائع القادسية،
وانهزمت الفرس، وقتل في المعركة عشرة آلاف من الفرس، ألفان وخمسمائة من المسلمين.
عند
فتح العراق اتخذ المُسلمون أطلال إيوان كسرى مُصلّى واستولوا على ما كان فيه من
الكُنوز وأرسلوا خُمسها إلى المدينة ليتمَّ اقتسامها وفق الشرع. وتولى سلمان الفارسي قسمة البقية بين جند
المسلمين. وحين بلغ الخمس المدينة، ألقى عمر بسواري كسرى إلى سراقة بن مالك المدلجي تحقيقًا لوعد النبي محمد له عندما اعترض سراقة النبي محمد في
هجرته إلى المدينة.
طارد جيش
المسلمين الفرس حتى دخل المدائن فوجدها خاوية حيث فرّ يزدجرد بأهله ومعه ما قدر
على حمله، ولم يجد المسلمون مقاومة إلا في القصر الأبيض الذي تحصّن فيه بعض
المقاتلين، فأمهلهم ثلاثة أيام للتسليم، فقبلوا بالتسليم في اليوم الثالث. ودخل
سعد إيوان كسرى، وجعله مُصلّى.
ارتحل
سعد من المدائن حتى نزل الكوفة في محرم سنة سبع عشرة،
وخيّر المسلمين بينها وبين المدائن، فمن أعجبه أن يقينم بالمدائن تركه يقيم بها. وفي
سنة 18 هـ بني سعد جامع الكوفة.
لمَّا
طُعِن عمر بن الخطاب ودنت وفاته، أوصى بأن يكون
الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي النبي محمد وهو عنهم راضٍ
وهم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد
بن أبي وقاص. وقال: من استخلفوه
فهو الخليفة بعدي.
وبعد
الانتهاء من دفن عمر بن الخطاب، اجتمع أصحاب الشورى، فاختار سعد عبد الرحمن بن
عوف وقال: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، وقال الزبير: جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: جعلت أمري إلى
عثمان، ثم عزل ابن عوف
نفسه من الأمر، وأخذ يستشير المسلمين حتى اجتمعوا على عثمان بن عفان.
كان
سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة، فلم
يحضر موقعة الجمل ولا موقعة صفين
ولا
التحكيم، وأمر أهله ألا
يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام.
كان
سعد بن أبي وقاص آخر المهاجرين وفاةً. توفي في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة خمس وخمسين. ولمَّا
حضرَتْه الوفاةُ دعا بخلَق جبةٍ له من صوف، فقال: كفّنوني فيها، فإنّي كنت لقيتُ المشركين فيها يوم بَدْر وهي
عليّ، وإنما كنت أَخبؤها لذلك. ومات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحُمل إلى
المدينة على رقاب الرجال، وصلّى عليه مروان بن الحكم
وهو
يومئذ والي المدينة، وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة.

تعليقات