العمل
اصطِلاحا هو: "كلُّ نشاطٍ جسمي أو عقلي يقوم به الإنسان بهدف الإنتاج في
مؤسَّسة؛ حكوميَّة كانت أو خاصَّة، أو في حرفة أو مهنة".
من منظور
إسلامي العمل مجدٌ وشرفٌ، وفريضةٍ واجبة على كل قادر على العمل. وتحث الشريعة
الإسلامّية على العمل، وتستنكر الكسل والتنطع وانتظار الصدقات. ونهى الإسلام عن
البطالة والركون إلى الفقر وعدم المشي في الأرض سعيا للرزق، وعدهم من أسباب الذلّ
والهوان، بل اعتبرهم من الأمراض الاجتماعية المعدية التي تصيب الأمة فتأخذ بها إلى
التخلف والتفسح. والمجتمع القوي يقوى بأبناءه، ويضعف بعجزهم وكسلهم وفيما منحه
الله إياهم من وقت وصحة. فالعمل والأخذ بأسبابه هو الحل لعفّة النّفس وتحقيق الكسب
الحلال.
وحث الإسلام
على العمل في قوله الله سبحانه وتعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ
ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ" ) سورة الملك: 15) ؛ وقوله: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (سورة الجمعة: 10)، وأن العمل يكون في
مرضات الله ورسوله حتى يكون مقبولا في الأخرة، كما في قول الله سبحانه وتعالى:
"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (سورة التوبة: 105). وينبهنا القرأن على أن رسول الله
لم يكتفوا بأنهم رسل وأنبياء؛ بل عملوا وجدّوا واجتهدوا وما اعتمدوا في التكسّب
على أحد؛ بالرغم من أعباء الدعوة والانشغال بها: فهذا سيدنا داود عليه السلام كان
يأكل من عمل يده، قال تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا
جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ* أَنِ اعْمَلْ
سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (سورة سبأ: 10)؛ وسيدنا نوح كان نجّارًا يعمل بيده؛ لذا
أمره الله تعالى بصناعة السفينة، فقال له: "فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ
اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ
التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا
مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ
ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ" (سورة المؤمنون: 27)؛ وفي قوله: "وَاصْنَعِ
الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ* وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ
مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ
مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ
يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ" (سورة هود: 37، 38، 39)؛
وسيدنا موسى كان يشتغل برعي الغنم لمدة عشر سنين أجيرًا في أرض مدين قبل أن يبعثه
الله رسولًا، قال الله تعالى، على لسان الرجل الصالح من أهل مدين: "قَالَ
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ
تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا
أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ
الصَّالِحِينَ" (سورة القصص: 27).
رغبت وحثت
الأحاديث النبوية على: أن اطيب الكسب من عمل اليد في قول النبي صلى الله عليه
وسلم: "ما كسب الرجلُ كسبًا أطيبَ من عمل يدِه، وما أنفق الرجلُ على نفسِه
وأهلِه وولدِه وخادمِه فهو صدقةٌ"، (الراوي: المقدام بن معدي كرب؛ المصدر:
صحيح الترغيب)؛ وأن العمل خيرا من سؤال الناس كما في قول صلى الله عليه وسلم:
"لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الحَطَبِ علَى
ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وجْهَهُ خَيْرٌ له مِن أَنْ
يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ"، (الراوي: الزبير بن العوام؛
المصدر: صحيح البخاري)؛ وأن السعي على الأولاد الصغار فهو في سبيل الله، كما فيما
روي عن َعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: "مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ- صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- فِيَّ جَلْدَةَ وَنَشَاطَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ كَانَ
هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-: "إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي
سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ
كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى
نَفْسِهِ يَعُفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى
رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ"، (الراوي: كَعْبِ
بْنِ عُجْرَةَ؛ المصدر: المتجر الرابح)؛ وان اليد التي تعمل هي اليد التي يجبها
الله ورسوله فيما روي عن المِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ
طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ
اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِه"،
(الراوي: المقدام بن معدي كرب؛ المصدر: صحيح الجامع).

تعليقات