عرَّف الحياء:
"بأنه خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق" (ابن حجر).
الحياء هو تاج
القيم الأخلاقية، وهو والإيمان صنوان لا يفترقان، وبه كمال الدين، وهو نبراس
الإنسان إلى الخير والهدى، وهو زينة المرأة وشاهد أدبها وعفاتها وشرفها وفضلها،
وحسن تربيتها، ونقاء سريرته.
هناك من يظن
أن الحياء والخجل لا يختلفان، فهل هناك فرق بينهما؟ الإجابة بالطبع هناك فرق كبير
وبون شاسع بينهما.فالحياء فضيلة فيه يسمو المرء عن كل قبيح وتقصير في حق النفس أو
الناس. أما الخجل فهو عاطفة قويّة تدفع الشخص للشعور بأنّه مليء بالعيوب، وغير
مقبول من الآخرين، ولا يمكنه إصلاح أخطائه. هذا يعني أن الخجل خصلة دنيئة، تؤدي
بمن يتصف بها ألا يُطالب بحقِّه، ولا يقول كلمة الحق، و لا يأمر بالمعروف ولا ينهي
عن المنكر، ولا يطلب العلم، ولا يسأل عن مسائل الدين بل ولا يغضب لله إذا انتهكت محارمه.
للحياء ضروب
متعددة منها: الحياء من الله، والحياء من الملائكة، والحياء من الناس، والحياء من
النفس.
جاءت كلمة الحياء
في القرآن في صورة الفعل (يستحيي) بمعني متعددة. ففي قول الله سبحانه
وتعالى:"وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ" (الأحزاب: 53)، وقوله
تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً
فَمَا فَوْقَهَا" (البقرة: 26) جاءت بمعنى يخجل.
وفي قوله
سبحانه وتعالى: "إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي
مِنْكُمْ" (الأحزاب: 53)، جاءت بمعنى منع حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يسألكم الانصرف، وكيف يسألكم وهو صاحب الحياء والكرم. وفي قوله سبحانه
وتعالى:"فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ" (القصص:
25).جاءت بمعنى الحياء أيضا.
وجاءت بمعني
"يخشى" كما في قول سبحانه
وتعالى: "وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ" (الأحزاب:
37).
وجاءت بمعنى
الاستقباء على قيد الحياة كما في قول الله سبحانه وتعالى: "يُذَبِّحُ
أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ (القصص: 4) وفي قولالله: "وَإِذۡ
نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ
يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم
بَلَآء مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيم٤٩" (سورة البقرة: 49)؛ و"وَإِذۡ
أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ
يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم
بَلَآء مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيم١٤١" (سورة الأعراف: 141)؛ و "وَإِذۡ
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم
مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ
أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآء مِّن
رَّبِّكُمۡ عَظِيم" (سورة إبراهيم: 6)؛ وفي "فَلَمَّا جَآءَهُم
بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي
ضَلَٰل٢٥" (سورة غافر: 25).
اسمى أنواع
الحياء الحياء من الله. فالحياء من الله يجعل المؤمن الحق يستحي أن يراه الله على
معصية أو تقصير في فريضة أو تكليف مما فرض الله عليه لتطيب حياته وتسعد اخرته؛
ليقينه أن الله يراه وأن الله معه اينما كان، كما في قول الله سبحانه وتعالى:
"أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى" (العلق:14)، وقوله: "وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" (ق: 16). تدل هاتان الأياتان على اطلاع
الله على أحوال عباده في السر والعلن، وعلى علمه بما يدور في خلجات أنفسهم.
وحياء الانسان
لا يقتصر على حياءه من الله، بل يمتد إلى الحياء من الملائكة التي نبه الله سبحانه
وتعالى على أنها تراقب الانسان وتتطلع على كل ما يقول ويفعل. فهل من العقل
والحصافة أن نطلعهم على ما يكرهون منا، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: "وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَاماً كَاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ"
(الانفطار:10- 12).
الحياء من
الله واقع في السنة النبوية في قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
:"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَما هو جَالِسٌ في
المَسْجِدِ والنَّاسُ معهُ إذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إلى
رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وذَهَبَ واحِدٌ، قالَ: فَوَقَفَا علَى
رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأمَّا أحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً
في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأَمَّا الثَّالِثُ:
فأدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
قالَ: ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمَّا أحَدُهُمْ فأوَى إلى
اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ
منه، وأَمَّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأعْرَضَ اللَّهُ عنْه"، (الراوي: أبو واقد
الليثي؛ المصدر: صحيح البخاري).
أما كيفية
الحياء من الله فتوضحه السنة النبوية في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
"استَحيوا منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ، قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا لنَستحيي
والحمد لله، قالَ: ليسَ ذاكَ، ولَكِنَّ الاستحياءَ منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن
تحفَظ الرَّأسَ، وما وَعى، وتحفَظَ البَطنَ، وما حوَى، ولتَذكرِ الموتَ والبِلى،
ومَن أرادَ الآخرةَ ترَكَ زينةَ الدُّنيا، فمَن فَعلَ ذلِكَ فقدَ استحيا يعني: منَ
اللَّهِ حقَّ الحياءِ"، (الراوي: عبدالله بن مسعود؛ المصدر: صحيح الترمذي)، فالحياء من الله كما يوضح الحديث هو الرقيب
والحكم والضابط والميزان لكل أفعال المرء. والحياء كله خير.
كما تقرر
السنة النبوية فيما روى عن عمران بن الحصين عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: "الْحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ. قالَ: أوْ قالَ: الحَياءُ كُلُّهُ
خَيْرٌ. فَقالَ بُشيرُ بنُ كَعْبٍ: إنَّا لَنَجِدُ في بَعْضِ الكُتُبِ، أوِ
الحِكْمَةِ، أنَّ منه سَكِينَةً ووَقارًا لِلَّهِ، ومِنْهُ ضَعْفٌ، قالَ: فَغَضِبَ
عِمْرانُ حتَّى احْمَرَّتا عَيْناهُ، وقالَ: ألا أرَى أُحَدِّثُكَ عن رَسولِ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وتُعارِضُ فِيهِ، قالَ: فأعادَ عِمْرانُ الحَدِيثَ،
قالَ: فأعادَ بُشيرٌ، فَغَضِبَ عِمْرانُ، قالَ: فَما زِلْنا نَقُولُ فِيهِ: إنَّه
مِنَّا يا أبا نُجَيْدٍ، إنَّه لا بَأْسَ بهِ"، (الراوي: عمران بن الحصين؛
المصدر: صحيح مسلم).

تعليقات