الإخلاص هو: "أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله
وحده، لا يريد بها تعظيماً من الناس ولا توقيراً، ولا جلب نفع ديني، ولا دفع ضرر
دنيوي" (العز بن عبد السلام)؛ و هو أيضا: "أن يعبر الشخص بالقول والفعل
عن آرائه ومشاعره ومعتقداته ورغباته دون رياء أو نفاق أو مواربة".
ويرتبط الإخلاص بالصدق، فالصدق أصل والإخلاص فرع
تابع؛ والإخلاص لا يكون إلّا بعد الدّخول في العمل (مدى تطابق القول مع الفعل)،
أمّا الصّدق فيكون بالنّيّة قبل الدّخول فيه (التعريفات للجرجاني). ويقول الغزالي رحمه
الله: أنّ الفرق بين الإخلاص والصّدق دقيق جدًّا كما الشّعرة، وفي كثير من الأوقات
يُخلَطُ بين الصدق والإخلاص، فالصّدق يعني صحّة النيّة قبل الدخول في العمل،
ومطابقة ظاهر أمر العبد لباطنه، وأمّا الإخلاص فيكون بعد الشّروع في العمل، وهما
معًا يُكمّلان بعضهما بعضًا، ومن هنا كان يجب على المرء الانتباه من الوقوع في
الرياء.
أمر الله عباده بالإخلاص في العبادة؛ قال تعالى:
"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ" (البينة 5)، بل أمر اللهُ النبيَّ ﷺ ذاتَه بإخلاص
العبادة لله، إذ قال تعالى: "قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصا
لَّهُ ٱلدِّينَ١١ وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ١٢ قُلۡ
إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيم١٣ قُلِ ٱللَّهَ
أَعۡبُدُ مُخۡلِصا لَّهُۥ دِينِي١٤" (الزمر 11-14). وأمر الله عباده بإخلاص
الدعاء له؛ قال تعالى:"وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" (الأعراف: 9). والإخلاص منجاة من
إضلال الشيطان وإغوائه: "قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ
فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ ٤٠" (الحجر 39-40)، وقوله:"وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا
لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ" (يوسف: 24).
حفلت السنة النبوية بالاحاديث التي تحث على الإخلاص
في العمل وفي كل شأن من شؤون الحياة للفوز في الدنيا والأخرة. يقول سيدنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أن الأخلاص طريق النصر في قوله: "إنما ينصر الله هذه
الأمَّةَ بضعيفها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم"
(الراوي: سعد بن أبي وقاص؛ المصدر: السلسلة الصحيحة)؛ وبه تنال شفاعته صلى الله
عليه وسلم فيما روى عن أبي هريرة أنه قال:
"قلتُ يا رسولَ اللَّهِ من أسعدُ النَّاسِ بشفاعتِك يومَ
القيامةِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن
لا يسألُني عن هذا الحديثِ أحدٌ أولى منكَ لما رأيتُ من حرصِك على الحديثِ أسعدُ
النَّاسِ بشفاعتي يومَ القيامةِ من قال لا إلهَ إلَّا اللَّهُ خالصًا من نفسِهِ"
(الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: التوحيد لابن خزيمة)؛ وبه تنال مغفرة الذنوب كما ينال
رضوان الله: كما في حديث البطاقة: "في الرَّجلِ الَّذي يُؤتَى به ويُوضعُ له
في كفِّه تسعةٌ وتسعون سِجلًّا, كلُّ سِجِلٍّ مدَّ البصرِ, ثمَّ يُؤتَى بتلك
البطاقةِ فيها: لا إلهَ إلَّا اللهُ فيقولُ: يا ربِّ, وما هذه البطاقةُ مع هذه
السِّجلَّاتِ؟ فيقولُ اللهُ تعالَى: إنَّك لا تُظلمُ. فتُوضعُ تلك البطاقةُ في
كِفَّةِ الميزانِ. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فطاشتِ السِّجلَّاتُ,
وثقُلتِ البطاقةُ"، (الراوي: المحدث: أحمد شاكر؛ المصدر: عمدة التفسير)،
والمرأة البغي التي سقت الكلب: "غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ
بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ (بئر) يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ،
فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ،
فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ" (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح البخاري)، والرجل الذي
أزاح الشجرة من الطريق: "مَرَّ رجلٌ بغُصْنِ شجرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ، فقال :
والله لَأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمينَ، لا يُؤْذِيهِم، فأُدْخِلَ الجنةَ"،
(الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح الجامع). والإخلاص يُطهِّر القلبَ مِن الحقد والغلِّ والخيانة كما في قول
جُبَيرُ بنُ مُطْعِمٍ رَضِي اللهُ عنه: "قام رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه
وسلَّم بالخَيْفِ (الخَيفُ: كلُّ ما انْحدَر مِن الجبَلِ، وارتَفَع عن الْمَسيلِ)
مِن مِنًى، أي: خَطيبًا، وكان ذلك في حجَّةِ الوداعِ، فقالَ: نضَّرَ اللَّهُ امرأً
(امْرَأً"، أي: شخصًا أيًّا كان مِن الصَّحابةِ الكرامِ ومَن سَمِع مِنهم،
والأمرُ على الإطلاقِ حتَّى إلى يومِنا هذا) سمِعَ مقالتي، فبلَّغَها، فرُبَّ
حاملِ فِقهٍ، غيرُ فَقيهٍ، وربَّ حاملِ فِقهٍ إلى من هوَ أفقَهُ منهُ، ثلاثٌ لا
يُغلُّ علَيهِنَّ قلبُ مؤمنٍ: إخلاصُ العملِ للَّهِ، والنَّصيحةُ لوُلاةِ
المسلمينَ، ولزومُ جماعتِهِم، فإنَّ دَعوتَهُم، تُحيطُ مِن ورائِهِم"
(الراوي: جبير بن مطعم؛ المصدر: صحيح ابن ماجه)، والمعنى: أن هذه الثلاث لو تمسَّك بها العبدُ طهُر قلبُه مِن
الحقد والغل.

تعليقات