القناعة هي: "الرضا بما قسم الله، ولو كان
قليلا، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وهي علامة على صدق الإيمان"
عندما يكون الإنسان ممتنًا، أي راضيا وقانعا يدرك
أن كل ما يحل به نعمة أو فرصة للتعلم. فالرضى والقناعة لا يُظهران الأخلاق الحميدة
تجاه الآخرين فحسب، بل يجعلا الإنسان سعيدا وايجابيا بما لديه مهما كان صغيراً.
والامتنان يجعل صاحبه شاكرًا لما هو جيد وسيء من تصاريف الحياة. فقد يكون عدم
الحصول على وظيفة ما أو عدم الالتحاق بكلية ما علامة على أن الله يخبيء الأفضل.
رغب الله سبخانه وتعال في القناعة في قوله:
"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (سورة النحل: 97)، وفسر محمد بن كعبٍ قوله تعالى:
"وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " بالقناعة،
وفسرها علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضًا بالقناعة، وروي عن الحسن البصري، أنه
قال: "الحياة الطيبة" هي القناعة". وقال البغوي: في تفسير
"يغنهم" في قول الله سبحانه
وتعالى: "إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (سورة النور: 32)،
أي: القناعة
وتتجلى القناعة والرضى في السنة النبوية بين
تصورين. التصور الأول أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأنها محطة من المحطات التي
يمر بها قطار رحلتنا إلى الدار الأخرة، محطة بلغنا رسول الله فيها بمراد ربنا منا،
صلاحا لحياتنا واخرتنا، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّما يَكْفِي
أحدَكَمْ، ما كان في الدنيا، مثلُ زادِ الرَّاكِبِ" (الراوي: ابن ماجه؛
المصدر: صحيح الجامع)؛ وقوله النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن أصبحَ منكم
آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ
الدُّنيا" (الراوي: عبيد الله بن محصن؛ المصدر: صحيح الترمذي). والتصور
الثاني أن الإنسان في هذه الدنيا لن ينال إلا ما قسمه الله وقَدَّره له؛ فقد جف
القلم بما هو كائن، ولن تموت نفس قبل استيفاء ما كُتِبَ لها كاملاً غير منقوص،
ويوضحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اتقوا الله وأَجمِلوا في
الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأَجْمِلوا
في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حَرُم" (الراوي: جابر بن عبدالله؛ المصدر:
صحيح ابن ماجه). وقوله: أجملوا، أي: وأحسنوا في الطلب.
ومن القصص اللطيفة والموحية في الطمع وعدم الرضى
والقناعة أنه: "يحكى أن ثلاثة رجال ساروا في طريق فعثروا على كنز، واتفقوا
على تقسيمه بينهم بالتساوي، وقبل أن يقوموا بذلك أحسوا بالجوع الشديد، فأرسلوا
أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعامًا، وتواصوا بالكتمان، حتى لا يطمع فيه غيرهم،
وفي أثناء ذهاب الرجل لإحضار الطعام حدثته نفسه بالتخلص من صاحبيه، وينفرد هو
بالكنز وحده، فاشترى سمًّا ووضعه في الطعام، وفي الوقت نفسه، اتفق صاحباه على قتله
عند عودته؛ ليقتسما الكنز فيما بينهما فقط، ولما عاد الرجل بالطعام المسموم قتله صاحباه،
ثم جلسا يأكلان الطعام؛ فماتا من أثر السم. وهكذا تكون نهاية الطامعين وعاقبة
الطمع".

تعليقات