خولة
بنت ثعلبة من ربات الفصاحة والبلاغة والجمال وصاحبة النسب الرفيع، زوج أوس بن
الصامت، أخو عبادة بن الصامت، من شهد بدراً وأحداً، وأغلب الغزوات مع رسول الله
ﷺ. وهي أم الربيع بن أوس الصامت. وهي المرأة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، فنزل فيها قول الله سبحانه
وتعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (سورة المجادلة: 1).
كانت
شكوها إلى الله بسبب خلاف شديد دب بينها وبين زوجها هز أركان البيت ولم يمر كأى
خلاف آخر يحدث بين زوجين، فقد انفعل الزوج وفقد السيطرة على نفسه وقال لزوجته: "أنت
عليَ كظهر أمي". فكانت خولة أول زوجة في الإسلام “يظهر” لها زوجها، أي قال
لها: "أنت علي كظهر أمي". فقالت له زوجته والدموع تنهل من عينيها لشدة
ما سمعت منه: "والله لقد تكلمت بكلام عظيم، ما أدري مبلغُهُ"
ثم
خرج الزوج بعد أن قال ما قال فجلس في نادي القوم ساعة، ثم دخل عليها يراودها عن
نفسها، ولكنها امتنعت حتى تعلم حكم الله، فقالت: "كلا... والذي نفس خولة
بيده، لا تخلصنَّ إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه...".
خرجت
خولة حتى جاءت رسول الله ﷺ، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت من زوجها، وهي بذلك
تريد أن تستفتيه وتجادله في الأمر، فقالت له: "يا رسول الله، إن أوساً من قد
عرفت، أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إلي، وقد عرفت ما يصيبه من اللمم وعجز
مقدرته، وضعف قوته، وعي لسانه، "وأحق من عاد عليه أنا بشيء إن وجدته" [تعني
أنني الأجدر أو الأملك لأي شيء يعود إليّ أو يخصني إذا كان هذا الشيء موجوداً
وواضحاً]، وأحق من عاد علي بشيء إن وجده هو، وقد قال كلمة والذي أنزل عليك الكتاب
ما ذكر طلاقاً قال: "أنت علي كظهر أمي". فقال رسول الله ﷺ: "ما
أراكِ إلا قد حرمت عليه"، والمرأة المؤمنة تعيد الكلام وتبين لرسول الله ما
قد يصيبها وابنها إذا افترقت عن زوجها، وفي كل مرة يقول لها رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "ما أراكِ إلا قد حرمت عليه".
وأزاحت
الصحابية الجليلة المؤمنة الصابرة نفسها واتجهت نحو الكعبة المشرفة، ورفعت يديها
إلى السماء وفي قلبها حزن وأسى، وفي عينيها دموع وحسرة، قائلة: "اللهم إني
أشكو إليك شدة وجدي، وما شقّ علي من فراقه، اللهم أنزل على لسان نبيك ما يكون فيه
فرج". تقول السيدة عائشة وهي تصف لنا حالة خولة: "فلقد بكيت وبكى من كان
منها ومن أهل البيت رحمةً لها ورقة عليها".
ما
كادت تفرغ من دعائها حتى تغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه عند
نزول الوحي، ثم سرى عنه. فقال رسول الله ﷺ: "يا خولة قد أنزل الله فيك وفي
صاحبك قرأنا". ثم قرأ عليها: "قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي
تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ
تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ١ ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم
مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا
ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ
وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ٢ وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن
نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ
أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ
خَبِيرٞ٣ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن
يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ
لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ
وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ٤" (سورة المجادلة: 1-4).
قالت:
فقال لى رسول الله: "مريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت يا رسول الله، ما
عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". فقلت: والله إنه لشيخ
كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر". فقلت:
والله يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله: "فإنا سنعينه بعرق
من تمر". قالت: فقلت يا رسول الله، وأنا سأعينه بعرق آخر. قال: "قد أصبت
وأحسنت، فاذهبى فتصدقى به عنه، ثم استوصى بابن عمك خيرًا". قالت: ففعلت.
ونهضت خولة لتعود إلى زوجها، فتجده جالساً جانب
الباب ينتظرها، فقال لها: يا خولة ما وراءكِ؟ فقالت والفرحة على وجهها: "خيراً..."
وشرحت له ما قال لها الرسول ﷺ لإي أمر الكفارة.
خولة
امرأة صاحبة فضل ممتد على سائر المسلمين من الرجال والنساء، حيث أراد الله سبحانه
وتعالى أن تكون سببا في حكم شرعي مهم للغاية لكل النساء، كما هو مهم للرجال الذين
يتسرعون وتصدر عنهم أقوال يحرمها الشرع لما تحمل من ظلم للمرأة. وهي إمرأة طوال حياتها
مثالاً للزوجة الوفية المخلصة، ترعى شؤون بيتها وتؤدي واجبها تجاه زوجها وتبذل
قصارى جهدها من أجل تربية أبنائها.
كان
لهذه الصحابية الجليلة شأن عظيم عند الله عز وجل وعند رسوله صلى الله عليه وسلم
وعند أصحابه المقربين رضي الله عنهم أجمعين. فقد مر بها سيدنا عمر بن الخطاب في
زمن خلافته وكان راكباً على حمار، فاستوقفته طويلاً ووعظته. وقالت له: "يا
عمر، عهدتك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ ترعى الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام
حتى سميت عمر، ثم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم
أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف بالموت خشي الفوت، ومن أيقن بالحساب
خاف العذاب". وعمر بن الخطاب واقف أمامها، يسمع كلامها في إمعان وقد أحنى
رأسه مصغياً إليها... وقد كان برفقته أحد مرافقيه وهو جارود العبدي، فلم يستطع
صبراً لما قالت خولة لأمير المؤمنين، فقال لها في غضب: "قد أكثرت أيتها
المرأة العجوز على أمير المؤمنين". فقال عمر بن الخطاب: "دعها... أما
تعرفها؟ هذه خولة التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات وعمر أحق والله أن يسمع
لها..".

تعليقات