واحدة
من النساء المسلمات التي أنعم الله عليها بصحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه
وسلم، منذ ظهور الرسالة النبوية الشريفة. ففي بيتها ترعرعت نواة
الإسلام، ورافقتها حين أشرقت وتلألأت أنوارها في المدينة المنورة، فكان بيتها
يملئه نور الإيمان، وتفوح فيه الروائح الطيبة تنتشر إسلاما، يخرج الناس من
الظلمات إلى النور، ويدق معاقل الشرك والطغيان بأرض الجزيرة العربية.
حينما
أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة لنشر
الدعوة الإسلامية بها، ولتعليم أهلها القرآن الكريم، حينها أسلام سعد بن معاذ،
وأمه كبشة أم سعد. ولم تكتف أم سعد بإعلان إسلامها، ولكن جعلت بيتها وقرًا ومكانًا
لمبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هذا البيت إنتشرت وانبعثت نسمات الإيمان
تعطر أرجاء المدينة والدنيا كلها. كانت أم سعد هي أول من
بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له وللإسلم مكانة عظيمة في قلبها، فضحت
باثنين من أبنائها في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي سبيل الإسلام والدعوة.
ففي
غزوة أحد استشهد ابنها عمرو بن معاذ رضي الله عنه وعمره اثنان وثلاثون عاما، ولكن
كان كل همها سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهبت إلي أرض المعركة فلما رأت
رسول الله بخير حمدت الله علي ذلك وقالت أن المصيبة أصبحت قليلة عن ما كانت.
شهد
سعد بن معاذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوات بدر وأحد والخندق. وفي غزوة الخندق جاهد سعد
بن معاذ حتى اصيبت ذراعه وتفجر الدم من وريده وكان جرحه يزداد خطره كل يوم، بل كل
ساعة. فقال سعد: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، فإنه لا
قوم أحب إلي من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه. اللهم إن كنت
وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني
قريظة".
وبعد
غزوة الخندق، دعا النبي محمد أصحاب إلى قتال بني قريظة لنقضهم عهدهم مع المسلمين،
وتحالفهم مع قريش في غزوة الخندق. حاصر المسلمون حصون بني قريظة 25 يومًا حتى
أرسلوا يطلبون السلم، ويرتضون حكم سعد بن معاذ فيهم، وكان حليفهم في الجاهلية،
فأرسل النبي محمد إلى سعد، فجيء به محمولاً على حمار، وهو مُتعَب من جرحه، فقال
له: "أشر علي في هؤلاء"، فقال سعد: "لو وليت أمرهم، لقتلت
مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم"، فقال النبي محمد: "والذي نفسي بيده، لقد أشرت
عليّ فيهم بالذي أمرني الله به".
أعيد
سعد إلى المدينة إلى القبة التي ضربها عليه النبي محمد في المسجد النبوي ليعوده من
قريب، وكوى النبي محمد له ذراعه. عاد النبي محمد وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب
وقت وفاة سعد فوجد النبي محمد يد سعد انفجرت بالدم، فقام إليه وعانقه، حتى مات.
فبكى أبو بكر وعمر، وحزن النبي وأخذ بلحْيته، وكان النبي محمد لا تدمع عينه على
أحد، ولكنه كان إذا حزن، أخذ بلحيته. صلى النبي محمد على سعد، وحُمل فدُفن
بالبقيع، وشهد النبي دفنه، وكان الذين أنزلوه في قبره ابن أخيه الحارث بن أوس بن
معاذ وأسيد بن حضير وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش وسلمة بن سلامة بن وقش. كانت
وفاة سعد بن معاذ سنة 5 هـ بعد غزوة الخندق بشهر، وقد توفي سعد بن معاذ، وله من
الولد عمرو وعبد الله أمهما هند بنت سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد
الأشهل.
وكان
مصاب كبشة بنت رافع في سعد عظيما، ولكن عزاءها حين سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: "لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ".
ومما
لا شك فيه أن كبشة بنت رافع كانت أنموذجاً يحتذى للمرأة المسلمة في كل شيء في
الجهاد والصبر والإيمان والشجاعة والتضحية وظلت طوال حياتها في خدمة دين الله
ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن مواقفها العظيمة والمباركة، وحسن سريرتها
وطويتها، موقفها من السيدة عائشة رضي الله عنها فيما اختلقه المنافقون عنها في
حادثة الإفك، فقد دافعت كبشة عنها وأشادت بأخلاقها وفضائلها وقالت عنها: تتقي الله
في المغيب عليها نعمة الله سرها ما يريم. خير هدي النساء
حالا ونفسا وأبا للعلا نماها كريم. للموالي
إذا رموها بإفك أخذتهم مقامع وجحيم. ليت من كان قد قفاها بسوء في حطام حتى يبول
اللئيم.
ولم
تذكر كتب التاريخ يوم وفاة الصحابية الجليلة كبشة بنت رافع التي أعلت كلمة الحق
والدين، وكانت مثالا في قومها للرأي والحكمة والعقل والشجاعة.

تعليقات