المعرفة هي:
"الإدراك والوعي وفهم الحقائق أو اكتساب المعلومة عن طريق التجربة أو من خلال
التأمل في طبيعة الأشياء وتأمل النفس أو من خلال الإطلاع على تجارب الآخرين وقراءة
استنتاجاتهم". المعرفة من منظور إسلامي هي: "تمييز الشيء عما سواه،
والعلم بخصوصياته، فكل معرفة علم ولا عكس"، (كتاب "التحقيق في كلمات القرآن" للمصطفوي)،
وهي أيضا: "وقوع شيء على نحو مطابق لسابق علم به".
ترتبط المعرفة
بالبديهة والبحث لاكتشاف المجهول وتطوير الذات وتطوير التقنيات.
وقد تكون المعرفة معرفة حسية، أي: مجرد ملاحظة بسيطة غير مقصودة، فيما تراه العين
وما تسمعه الأذن وما تلمسه اليد، دون أن تلفت نظر الشخص العادي إلى معرفة وإدراك
العلاقات القائمة بين هذه الظواهر وأسبابها. وقد تكون معرفة فلسفية أو تأملية، أي:
تعتمد على التفكير والتأمل في الأسباب البعيدة. وقد تكون معرفة علمية تجريبية، أي:
تقوم على أساس الملاحظة المنظمة المقصودة للظواهر وعلى أساس وضع الفروض الملائمة
والتحقق منها بالتجربة وتجميع البيانات وتحليلها، للوصول إلى قوانين ونظريات عامة
تربط هذه المفردات بعضها ببعض.
تشير آيات
اقرآن الكريم إلى المعرفة في قول الله سبحانه وتعالى: "وَلَمَّا جَاءَهُمْ
كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا
كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِين" (سورة البقرة 86)، وفي قوله: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا
أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ" (سورة المائدة 83)، وتبين أن المعرفة -
معرفة اليهود - بنيت على علم سابق، من التورة في الأية الأولى ومن الإنجيل في
الآية الثانية - معرفة النصارى. إذا لا تتأتى المعرفة بدون علم سابق، كما في قول
الله سبحانه وتعالى: "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (سورة البقرة 146). فالكتمان في هذه الآية،
أي: كتمان المعرفة كتمان عن علم، ففريق من الذين أتو الكتاب توقفوا به في حدود
العلم. وقد جاءت المعرفة أيضا في مجموعة من الآيات الكريمة بمعنى
التحقق من الشيء بسماته، كما قول الله سبحانه وتعالى: "لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ
يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ
بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (سورة البقرة 272)؛ وقوله: "وَعَلَى الْأَعْرَافِ
رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ" (سورة الأعراف 46). وهذه الآية توضح أن المعرفة تكون مسبوقة بعلم بالشيء أو بمواصفاته، وأن
علم الإنسان يكون مسبوقا بجهل، بدليل قوله سبحانه: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ
مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل: 78)؛
وقوله عز وجل: "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي
إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (سورة
الأنبياء 7). والسمات الدلالية
للمعرفة قد تكون في الجانب المادي كما اسلفنا وقد تكون في الجانب المعنوي أو
الوجداني، كما في قول الله سبحانه تعالى عن النصارى: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا
أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ" (سورة المائدة: 83).
وقد وردت المعرفة في السنة
النبوية فيما روي عنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أنه قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ
وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا
أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا
يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ" (الراوي: تَمِيمٍ
الدَّارِيِّ؛ المصدر: أحمد، والطبراني في الكبير)؛ وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ
يَقُولُ قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ
الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا
الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ. فسمات المعرفة لى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ كانت
الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ لمن أسلم، الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ
لمن كفر مصداقا لقول رسول الله.

تعليقات