عرَّفت الشورى بأنها: "طلب الرأي ممن هو أهل
له"؛ أو هي: "استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة
المتعلقة بها". ويمكن تعريفها أيضا أنها: "مجهود فكري جماعي يهدف إلى
تبني موقف مشترك بخصوص موضوع سياسي، اجتماعي، اقتصادي أو غيره".
الشورى فريضة سياسية واجبة، ويعد تركها ذنبا سياسيا. وهي
لصيقة بواقع المسلمين، ولها اهمية فاصلة في كل جوانب حياتهم السياسية والقانونية
والاقتصادية والاجتماعية والتربوية على المستوى العام وعلى مستوى الأسرة. أما عن
أهميتها على المستوى القانوني فتبرز من أن يكون ما يصدر من قوانين أو تشريعات
مصدره الأمة في إطار ما شرع الله؛ حتى يستجيب له الناس ويسعون لتطبيقه دون كره أو
تبرم. بهذا المفهوم تكون الشورى ملزمة للجميع حكاما ومحكومين، أن ليس للحاكم أن
يستبد برأيه في الشئون العامة، وليس للجماعة أن تسكت فيما يمس مصالحها. ولا تقتصر
الشورى على المجال السياسي فقط، بل تمتد للمجال الاجتماعي، فممارستها في المجال
الاجتماعي يجعلها حاجز منيع ضد الاستبداد بكل صوره، ويجعل اقتلاعها من المجال
السياسي ذا صعوبة بالغة، لتجذرها مجتمعيا.
وردت الشورى
في القرآن في موضعين، الأول في سورة الشورى في قول الله سبحانه وتعالى:
"وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ" (سورة الشورى: 28) ؛ وفي سورة آل عمران: "وَلَوْ
كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ" (سورة آل عمران: 159).
يلاحظ أن سورة الشورى مكية، وهو ما يعني
أن الأمر بالشورى كان قبل قيام أي كيان سياسي للمسلمين وهذا يدلل على اهمية الشورى
في النظام الإسلامي. في سورة آل عمران (مدنية) نزلت آية الشورى بعد هزيمة المسلمين
في غزوة “أحد”. في هذه الغزوة نزل النبي صلى الله عليه وسلم فيها على رأي الأغلبية
القاضي بالخروج من المدينة لقتال المشركين التزاما بمبدأ الشورى الذي أقره الإسلام
في سورة الشورى. اللافت للانتباه هنا أنه بالرغم من أن الأخذ برأي الأغلبية القاضي
بالخروج من المدينة لقتال المشركين والذي اعتبار أحد مسببات الهزيمة، إلا أن
القرآن أمر المسلمين بالأخذ بالشورى وعدم تركها إلى رأي الفرد أو القلة. وقد جعل
الإسلام التشاور أساس الحياة العائلية في قول الله سبحانه وتعالى: "فإِنْ
أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فلا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا" (سورة البقرة: 233)؛ واساس الحياة الاجتماعية الكبيرة في قول
الله سبحانه وتعالى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" كتقرير واقع فعلي
للمسلمين؛ وأمر إلهي لسيد الخلق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما سارت
الأمور ضد الطبيعة في قول الله سبحانه وتعالى: "وشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ". فالشورى ملزمة للقائد وملزمة لعامة المسلمين وللإسرة في كل شأن من
شؤؤن الحياة، لتسير الأمور عن رضى وقناعة، دون قهر واستبداد يدمر البلاد وبذل
العباد.
تميزت دولة
المدينة بترسيخ نظام الشورى وكان قدوتهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان
يقول لسيدنا أبي بكر وسيدنا عمر: ”ان اتفقتما على امر لا اخالفكما فيه ابدا"
(الراوي: ابن غنم الأشعري؛ المصدر: مسند الإمام أحمد بن حنبل -الحديث ضعيف). وقد
طبقا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمليا مبدأ الشورى عندما نزل لرأي الحباب
بن المنذر في تغيير الموقع الحربي في غزوة بدر، وعندما أخذ بمشورة سعد بن عبادة
وسعد بن معاذ سيدا الأوس والخزرج في ألا يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة في غزوة
الخندق عندما أراد ذلك. كذلك كان النبي مثالا يحتذى به في الأخذ بمبدأ الشورى في
كل شيء لم ينزل فيه حكم من السماء. كان النبي صلى الله عليه وسلم لين الجانب يستمع
لكل الآراء. ولاهمية الشورى في الفكر الإسلامي بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
أهميتها وفضائلها في قوله: "دَعُوا الناسَ يُصيبُ بعضُهمْ من بعضٍ، فإذا
استَنْصحَ أحدُكمْ أخَاهُ فلْينصحْهُ"، (الراوي: أبو السائب مولى هشام بن
زهرة؛ المصدر: صحيح الجامع). . فالتخلي أو الصمت أو الكتمان عن الشورى عند السؤال
مثله مثل كتمان الشهادة سواء بسواء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هل لك خادمٌ ؟ قال : لا، قال: فإذا أتانا سبيٌ فأَتْنِا فأتى برأسيْنِ ليس
معهما ثالثٌ، فأتاه أبو الهيثمُ، قال النبيُّ اختَرْ منهما، قال يا رسولَ اللهِ!
اختر لي، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: إنَّ المستشارَ مؤتمنٌ، خذ هذا،
فإني رأيتُه يُصلِّي، واستوصِ به خيرًا. فقالت امرأتُه: ما أنت ببالغٍ ما قال فيه
إلا أن تعتقَه، قال: فهو عتيقٌ، فقال إنَّ اللهَ لم يبعث نبيًّا ولا خليفةً، ألا و
له بِطانتانِ: بطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ وتنهاهُ عن المنكرِ، وبطانةٌ لا تألوهُ
خبالًا و من يوقَ بِطانةَ السوءِ فقد وقيَ" (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر:
الكافي الشاف)، وفي قوله: "ما تشاورَ قومٌ قط إلا هُدُوا لأرشدِ أمرِهم"
(الراوي: ابن حجر العسقلاني؛ المصدر: صحيح الأدب المفرد). فالشورى تأتي بما هو
أفضل عند الناس، وما هو أعقل وأنفع لهم، فهي نتاج الرأي للمجموع، وهي ضمان لعدم
سيادة الهوى والانفعال أو تغلب المصلحة الشخصية. كان الرسول يشير على أصحابه في
الحرب وفي السلم، في أمور الدنيا والمعاش، يتقبل رأيهم فيما لم يأته فيه وحي، حتى
قال عنه أبو هريرة: "ما رأَيْتُ أحَدًا أكثرَ مُشاوَرةً لأصحابِهِ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر:
تخريج شرح السنة).
.png)
تعليقات