الغش اصطلاحًا
هو: "كتم كل ما لو علمه المبتاع كرهه" أو هو: "ما يخلط من الرَّديء
بالجيِّد كأن يَحصُل الشخص على
المال بطرق محرمة، إمَّا عن طريق الكذب، أو كتمان عيب السلعة، أو البخس في ثمنها،
أو التطفيف في وزنها، أو خلط الجيِّد بالرديء، وغيرها من الطرق المحرمة".
للغش
والاحتيال في هذه الأيام ضروب متعددة، منها: تَّلبيس وتَّدليس السماسرة، بتزيِّنهم
للناس السلع الرديئة، والبضائع المزجاة، فيورطونهم في شرائها، ويوهمونهم ما لا
حقيقة له؛ والغش في الصناعات من مطعومات كالخبز، والطبخ، والعدس، والشواء وغيرها؛
والغش في الملبوسات من قطن أو صوف أو مواد صناعية أو غيرها، أو أية صناعات أخرى.
ومن ضروب الغش غش الرَّاعية للراعي بمدحه وإطرائه بما ليس فيه من أعمالًا وإنجازات
لم يعملها، وعدم النصح له بما يليق بمقامه؛ وغش الراعي للرعية بظلمهم وعدم القيام
على أمرهم بما يرضي الله، ومنه أيضا غش الأباء للأبناء في تربيتهم، بإهمالهم، وترك
تأديبهم زعما أنه يكرمهم وقد أهانهم، وأنه يرحمهم وقد ظلمهم. ومن صنوف الغش أيضا
الذي لا يرضي الله ولا رسوله ولا المقسطين من الناس شهادة الزور، والغش في القول والنصيحة،
والغش في تعلُّم العلم كالغش في الامتحانات والحصول على شهادات تمكنهم من تبوأ
منصبًا لا يستخقونها، فيقودوا الأمة إلى الضياع والتخلف والخراب؛ وعدم الوفاء
بالعقود كعقود الإنشاءات والمقاولات وعقود البيع والتجارة وغيرها.
وقد ورد في
القرآن الكريم آيات تذم الغش وتنهي عنه كما في قول الله سبحانه وتعالى: "وَلا
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا" (سورة الحشر: 10). وفي
الغلِّ وجهان: الغش والعداوة (الماوردي)، والغشًّ والحسدً والبغضً (البغوي). وفي
القرآن أيضا آيات تأمر بتأدية الأمانة، في قول الله سبحانه وتعالى:"إِنَّ
اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (سورة النساء:58).
والأمانة تشمل أمانة العبد مع الناس برد الودائع (مال وعلم) إلى أربابها وعدم الغش
وحفظ السر ونحو ذلك. كذلك حذر القرآن من الخيانة في قول الله سبحانه وتعالى:
"وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ" (سورة المائدة:
13)، والخيانة تعني الغش للنبي صلى الله عليه وسلم (الواحدي)؛ وألا نتخذ الأيمان
الكاذبة لتمرير الغش والخيانة في قوله سبحانه وتعالى: "تَتَّخِذُونَ
أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ" (سورة النحل: 92)، والدخل والدغل يعني الغش
والخيانة والغل (الواحدي والماوردي). كما بشرى الله عباده المؤمنين بنقاء صدورهم
في الجنة من الغل:، أي: الغِشُّ والحقد (السمعاني) في قوله سبحانه وتعالى: "وَنَزَعْنَا
مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ" (سورة الأعراف:
43).
وقد ذم سيدنا
رسول الله الغش ونهي عنه، فيما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "أنَّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه
بللًا. فقال: "ما هذا يا صاحب الطَّعام؟ قال: أصابته السَّماء يا رسول الله.
قال: أفلا جعلته فوق الطَّعام كي يراه النَّاس؟ من غشَّ فليس منِّي"،
(الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح مسلم), وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ
عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ، إلَّا
حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ"، (الراوي: معقل بن يسار؛ المصدر: صحيح الجامع),
وقوله: "مَنِ اشْتَرَى شاةً مُصَرَّاةً (المصراة: الدابَّةُ التي تُترَكُ أيامًا دون حَلْبٍ حتَّى يَمتلِئَ ضَرعُها فيَظُنَّ المُشتري أنَّها حَلوبٌ كثيرةُ اللَّبنِ؛ فيَزيدُ في ثَمَنِها، وبعدَ حلْبِها يطَّلِعُ على عَيبِها، فيكونُ قدِ اشْتَراها بأكثَرَ ممَّا تستحِقُّه، وبذلك يكونُ البائِعُ قد غرَّر بالمُشْتري وظَلَمَه) فَهو بالخِيارِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، فإنْ رَدَّها رَدَّ معها صاعًا
مِن طَعامٍ، لا سَمْراءَ (السَّمراءُ هي الحِنطةُ)"، (الراوي: أبو هريرة؛
المصدر: صحيح مسلم). وهذه الأحاديث تحرم الغشِّ بين
المسلمين بعضهم لبعض، وبينهم وبين من قلده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه
عليهم، كما تنبه على أن الغش من الكبائر الموبقة المبعدة من الجنَّة.
.png)
تعليقات