حَمْزَةُ
بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الهَاشِمِي القُرَشِيُّ. عم الرسول محمد وأخوه
من الرضاعة. ويكنى أبا عمارة، وقيل أبو يعلى. كان لُقِّب بسيد الشهداء، وأسد الله
وأسد رسوله. كان سيدنا حمزةُ أسنَّ من
الرسولِ محمدٍ بسنتين، وقيل: بأربع سنين. أمه
هي هالة بنت وهيب بن عبد مناف، ابنة عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف أمِّ الرسولِ محمدٍ. و
شقيقته صَفِيَّة بنت
عبد المطلب أم الزُّبَيْرِ بْنِ
العَوَّام.
سيدنا
حمزة صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأحد وزرائه الأربعة عشر. في الجاهلية. كان فتًى شجاعًا كريمًا سمحًا،
وكان أشدَّ فتى في قريش وأعزَّهم شكيمة، فقد شهد
في الجاهلية حرب الفِجَار التي دارت بين قبيلتي كِنَانَة وقَيْس عَيْلَان.
أَسْلم
سيدنا حمزة بن عبد المطّلب في السّنة الثّانية من بعثة النبي محمد، وقيل: بعد دخول النبي دارَ الأرْقم في السّنة السّادسة من
مَبْعَثه. ولمَّا أسلم علمت
قريش أن الرسولَ محمدًا قد عز
وامتنع وأن حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وكان سببُ إسلامه أن أبا جهل عَمرًا بن هشام اعترض الرسولَ محمدًا عند جبل الصفا، فآذاه وشتمه
ونال منه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، فلم يكلمه الرسولُ محمدٌ وسار إلى
بيته.
سمع
سباب أبى جهل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاةٌ لعبد الله بن جدعان التيمي القرشي في مسكن لها فوق الصفا. فلما مر بمسكنها سيدنا حمزة وهو راجعا
من صيد يها، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابنَ أخيك من أبي الحكم آنفًا.
فاحتمل
سيدنا حمزةَ الغضبُ، فخرج سريعًا لا يقف على أحد مُعِدًّا لأبي جهل إذا لقِيَه أن
يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على
رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّه شجةً منكرةً، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرُدَّ ذلك علي إن استطعت. فقال
رجال من قريش قاموا لينصروا ابى جهل على سيدما حمزة: ما تراك يا حمزة إلا قد صبأت،
فقال حمزة: « أنا
أشهد أنه رسولُ الله، وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين،
فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا، وبقي
حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه الرسولَ محمدًا من قوله،
لما
ازداد أذى قريش على المسلمين، ولم يَسلم من أذاهم الأقوياءُ ولا الضعفاءُ، أذن لهم
الرسولُ محمدٌ بالهجرة إلى المدينة
المنورة، فهاجر حمزة مع من هاجر من المسلمين إليها قبيل هجرة الرسولِ صلى الله
عليه وسلمٍ بوقت قصير، وآخى الرسولُ صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة.
بعث
الرسولُ محمدٌ حمزةَ بنَ عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص، في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بنَ هشام بذلك الساحل في ثلاثمئة
راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعًا للفريقين جميعًا،
فانصرف بعضُ القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال، وكان الذي يحمل لواء حمزة أبا مرثد الغنوي.
شهد
سيدنا حمزة بن عبد المطلب بدرًا، وأبلى فيها بلاءً عظيمًا. وقد كان هو الذي ابتدأ
قتال المشركين في غزوة بدر، فقد خرج رجل من جيش قريش هو الأسود بن عبد الأسد المخزومي القرشي فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه،
فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف
ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض
حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. ثم خرج بعده
عتبة
بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا
فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث -وأمهما عفراء-
ورجل آخر يُقال هو عبد الله بن
رواحة، فقالوا: من أنتم؟، فقالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم
نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءَنا عن قومنا، فقال الرسولُ محمدٌ: قم يا عبيدة بن
الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟، قال عبيدة: :
عبيدة، وقال حمزة: حمزة،
وقال علي: علي، قالوا: نعم، أكفاء
كرام. فبارز عبيدةُ، وكان أسن القوم، عتبةَ بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة،
وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يُمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل
الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه (أي جرحه
جراحةً لم يقم معها)، وكرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه (أي أسرعا
قتله)، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
وكان
حمزة يُعلَّم في الحرب بريشة نعامة، وقاتل يوم بدر بين
يدي الرسول محمد بسيفين، وقد رُوي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: قال لي أمية بن خلف، وأنا بينه
وبين ابنه آخذ بأيديهما (أي وهما أسيران عنده): يا عبد الإله، من الرجل منكم
المعلم بريشة نعامة في صدره؟، قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا
الأفاعيل. وقيل أنه قتل في معركة بدر: شيبة بن ربيعة العبشمي القرشي، قتله حمزةُ
مبارزةً؛ عتبة بن ربيعة العبشمي القرشي، اشترك فيه عبيدة بن الحارث بن المطلب وحمزة وعلي؛ حنظلة بن أبي سفيان بن حرب الأموي القرشي، قتله علي بن أبي طالب حسب مشهور الروايات، وقيل: قتله زيد بن حارثة، ويقال:
اشترك فيه حمزة وعلي وزيد.
وذكر
البلاذري أن حمزة وعلي قتلاه؛ طعيمة بن عدي النوفلي القرشي، قتله علي بن أبي طالب،
ويُقال حمزة بن عبد المطلب؛ زمعة
بن الأسود بن المطلب الأسدي القرشي، اشترك فيه
حمزة وعلي بن أبي طالب وثابت بن الجذع؛
عقيل بن الأسود بن المطلب الأسدي القرشي، قتله حمزة وعلي، اشتركا فيه؛
أبو قيس بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي؛ الأسود بن عبد الأسد بن هلال
المخزومي القرشي؛ نبيه بن الحجاج
بن
عامر السهمي القرشي، قتله حمزة بن عبد المطلب وسعد بن أبي وقاص، اشتركا فيه؛ عائذ بن السائب بن عويمر
المخزومي القرشي، أُسر ثم افتُدي فمات في الطريق من جراحة جرحه إياها حمزة بن عبد
المطلب.
شهد
حمزة بن عبد المطلب غزوة أحد،
فقُتل بها يوم السبت في النصف من
شوال
سنة 3هـ، وكان عمره
سبعًا وخمسين سنة. وقد قَتَلَ اللهُ بيد
حمزة رضيَ الله عنه من الكفار واحداً وثلاثين رجلاً قبل أن يقتل، وكان يدعى أسد
الله.
وقد قَتَلَ أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أحد
النفر الذين يحملون اللواء. وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء. ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني، وكان
يُكنى بأبي نيار، فقال حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور، وكانت أمُّه أمُّ
أنمارٍ مولاةَ شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، وكانت ختانة بمكة، فلما التقيا ضربه
حمزة فقتله.
وكان
حمزة يقاتل يومئذٍ بسيفين، فقال قائل: أيّ أسد هو حمزة!، فبينما هو كذلك إذ عثر
عثرة وقع منها على ظهره، فانكشف الدرعُ عن بطنه، فزرقه وحشي الحبشي
مولى جبير بن مطعم بحربة فقتله. ومثَّل به
المشركون، وبجميع قتلى المسلمين إلا
حنظلة
بن أبي عامر الراهب الأوسي، فإن أباه كان مع المشركين فتركوه لأجله.
أتى
رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ علَى حمزةَ يومَ أُحدٍ فوقفَ عليهِ قد
مُثِّلَ بِه فقالَ لَولا أن تجدَ صفيَّةُ في نفسِها لترَكتُه حتَّى تأكلَه
العافيةُ حتَّى يحشرَ يومَ القيامةِ من بطونِها قالَ ثمَّ دعا بنَمرةٍ فَكفَّنَه
فيها فَكانت إذا مُدَّت علَى رأسِه بَدت رجلاهُ وإذا مُدَّت علَى رجليهِ بدا
رأسُه قالَ فَكثرَ القتلى وقلَّتِ الثِّيابُ قالَ فَكفِّنَ الرَّجلُ والرَّجلانِ
والثَّلاثةُ في الثَّوبِ الواحدِ ثمَّ يدفنونَ في قبرٍ واحدٍ قال فجعلَ رسولُ
اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يسألُ عنهم أيُّهم أكثرُ قرآنًا فيقدِّمُه
إلى القبلةِ . قالَ: فدفنَهم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ولم
يُصلِّ عليهم (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر : سنن الترمذي؛ خلاصة حكم المحدث
(الألباني) : صحيح). ودفن حمزة وابن أخته عبد الله بن جحش
الأسدي
في قبر واحد.. وروى يونس بن
بكير عن ابن إسحاق أنه قال: كان ناس من المسلمين قد
احتملوا قتلاهم إلى المدينة ليدفنوهم بها، فنهى رسول
الله ﷺ عن ذلك، وقال - ادْفِنُوهُمْ في دِمَائِهِمْ - يَعْنِي يَومَ أُحُدٍ - ولَمْ
يُغَسِّلْهُمْ.( الراوي : جابر بن عبدالله؛ المصدر : صحيح البخاري؛ خلاصة حكم
المحدث (البخاري): صحيح )..
عد
استشهاد حمزة رضي الله عنه ومثلة به، توعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالتمثيل
بسبعين من المشركين، ولكن الله أنزل علي رسول الله قوله تعالى: "وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
١٢٦ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ
عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ١٢٧"
(سورة النحل)، فعفا رسول الله
ﷺ،
وصبر ونهى عن المثلة. الإسلام يُجيز العدلَ في المعاقبة، ويرغِّب في الفضل بالعفو
عنها، فما أعظمَه من دِينٍ يراعي المشاعر، ويدعو إلى سَنام الفضيلة! مَن علم أن
عاقبة عفوه مع قدرته معيَّةُ الله تعالى الخاصَّةُ له، هان عليه ما يجد في نفسه،
وانشرح صدرُه إلى مآل صبره.
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها
لأبيها وأمها، فقال الرسولُ محمدٌ لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه،
إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي،
قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مُثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن
ولأصبرن إن شاء الله، فلما جاء الزبير إلى الرسولِ محمدٍ فأخبره بذلك، قال:خل سبيلها،
فأتته فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر به الرسولُ محمدٌ فدفن.
مقبرة
شهداء أحد، ويظهر قبر حمزة بن عبد المطلب وبجانبه قبر عبد الله بن جحش. دفن
حمزة وعبد الله بن جحش في قبرًا واحد. ويوجد بجانب
القبر مسجد عرف بـمسجد حمزة ومسجد سيد الشهداء.

تعليقات