امرأة فرعون هي آسِيَة بنت مُزاحِم ملك مصر في زمن سيدنا يوسف
عليه السلام. ويقال: أنها كانت من بني إسرائيل من سبط سيدنا موسى، وأنها: عمة
سيدنا موسى عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأزكى السلام (حكاه السهيلي). كل هذه
تخرضات لكن الله وحده من يعلم من تكون هي.
يذكر المفسرون أن جواري فرعون التقطت سيدنا موسي عليه وعلى
رسولنا أفضل الصلاة وأزكى السلام في تابوت مغلق عليه من اليم. ثم جاؤا به ووضعوه
بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، ولما فتحت باب التابوت، ووقع نظرها علي
سيدنا موسى، أحبته حبًا شديدًا جدًا. فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه.
فاستوهبته منه ودافعت عنه: "وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ
لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا
وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ٩" (سورة القصص: 9). وقولها:
عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا في سورة القصص:الآية 9، وقد أنالها الله ما رجت من النفع،
أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه. أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وذلك أنهما تبنياه؛ لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال الله:
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم، حين قيضهم لالتقاطه من
النقمة العظيمة بفرعون وجنوده. (البداية والنهاية لابن كثير).
ذكر القرآن إمرأت فرعون مثالًا للنساء المؤمنات، في قول
الله سبحانه وتعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ
فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ" (سورة التحريم، 11)..
وبسبب فضل
"آسيا" زوجة فرعون وعلو شأنها ورفعة مقامها في الدنيا والآخرة، عدها
رسول الله ﷺ من النسوة الكاملات، ومن خير نساء العالمين وأفضل نساء الجنة، يروى ابن عباس: "خط رسول الله في الأرض أربعة خطوط وقال: "أتدرون
ما هذا؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله: "أفضـل نساء أهل
الجنة: خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة
فرعون"، (الراوي: عبد الله بن عباس؛ المصدر: إتحاف الخيرة المهرة). كما ورد
في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري أن
النبي قال: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون
ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر
الطعام" (الراوي: أبي موسى الأشعري؛ المصدر: صحيح البخاري). والمقصود بالكمال: بلوغ الغاية الممكنة، في التقوى والفضائل والأخلاق
والخصال الحميدة؛ مثل: الحق والعدل والصواب والصدق والأدب.
عاشت أسية بنت مزاحم في أعظم القصور في ذلك الزمن؛ قصور
فرعون التي كانت تجري تحتها الأنهار، فيها من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة،
والخيل المسومة والحرث والأنعم، تأمر فتطاع، يخدمها الجواري والعبيد. إلا أن ملك
الدنيا ونعيمها هذا هان علىها، فكفرت بفرعون وألوهيته، فعذبها فصبرت حتى الموت. كانت كلمة
واحدة تنقذها من القتل البشع وتعيدها لترفل في النعيم، فماذا اختارت آسيا بنت
مزاحم؟ اختارت رضى الله والقرب منه "ربِ ابنِ لِي عِندك بيتا فِي
الجنةِ"، لقد اختارت ربها فقالت: "ربِ ابنِ لِي عِندك بيتا فِي
الجنةِ"، ولقد حقق الله الأمل والرجاء بعد أن صبرت على البلاء والتضحية. وقد ذكر ابن جرير الطبري تعذيب فرعون لها وقال: "كانت امرأة فرعون تعذب
في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة،
وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى
وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها
فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأتي، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء
فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسد ليس
فيه روح»
ولقد
ظهرت آسيا بنت مزاحم في حياة موسى عليه السلام صاحبة دور، وأي دور!؛ إنه دور الأم
والمربية والحاضنة ثم المؤمنة بالرسالة المتبرئة من فرعون وعمله، الداعية إلى
الله تعالى أن يغنيها عن قصرها في الدنيا ببيت في الجنة. (الدور التربوي للمرأة
في قصة موسى).
إن
الإيمان ليس كلمة تقال، إنما حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى
صبر واحتمال، فلا يمكن أن يقول الناس "آمنا" وهم لا يتركون لإيمانهم بهذه
الدعوة، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا علي دينهم وإيمانهم ويخرجوا من الفتنة صافية
عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتتن النار الذهب لتفصل بينه وبين هذه العناصر
الرخيصة العالقة به.

تعليقات