يعرف العدل
بأنه: "ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور... وهو الحكم بالحق"
(ابن منظور - صاحب لسان العرب). ويعرف أيضاً بأنه: "استعمال الأمور في
مواضعها، وأوقاتها، ووجوهها، ومقاديرها، من غير إسراف، ولا تقصير، ولا تقديم، ولا
تأخير". وغاية العدل إعطاء كل ذي حق حقه.
والعدل فريضة
إسلامية واجبة على الحكام نحو الرعية والمحكومين، وبين الرعية بعضهم البعض، وبين
المسؤولين ومن تحتهم في المعاملات وكل أمر من أمور الحياة.
والعدل أسس
الملك. ففي أي ملك يغيب عنه العدل وينتشر فيه الظلم تُنتهك الحرمات، ويأكل القوي
الضعيف، ويحيف الغني على الفقير، وتنتشر الجريمة، ويعيش الناس في خوف، ويضيع
الأمن، وتتحول الحياة إلى غابة يسودها البلطجية والشبيحة وأصحاب السوابق
والمجرمون.
فالعدل ميزان
الله في الأرض، به يؤخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدق الله
الصادق، ويكذب الكاذب، وبالعدل يُرد المعتدي ويُوبَّخ.
أمر الله
بإقامة العدل في حقه، وفي حق عباده في قوله سبحانه وتعالى: "۞إِنَّ ٱللَّهَ
يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ
عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ
تَذَكَّرُونَ٩٠" (سورة النحل:
90). وأمر الله عباده المؤمنين أن يكونوا قوَّامين بالقسط، أي: بالعدل، ولو عاد
ضرره عليهم، أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وذلك في قول الله: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ
غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى
أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" (سورة النساء: 135). وأمرنا الله أن نقيم الشهادة
ابتغاء وجه الله كي تكون صحيحة عادلة حقاً، خالية من التحريف والتبديل والكتمان
وذلك في قوله: "وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ" (سورة الطلاق: 2).
وأمر الله رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالعدل بين معشر الأحزاب وذلك في
قوله سبحانه: "فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (سورة الشورى: 15).
ومدح الله من يقوم العدل في قوله: "وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" (سورة الأعراف:181)؛ وفي قوله: "وَمِنْ
قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" (سورة
الأعراف:159)؛ وفي قوله: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا
أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا
يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، (سورة النحل:76).
رغب النبي صلى
الله عليه وسلم في العدل قولًا وعملًا، وذلك فيما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله
عنه أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في
عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكارهنا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول
بالعدل أين كنا، لا نخاف في الله لومة لائم"، (الراوي: عبادة بن الصامت؛
المصدر: صحيح ابن حبان)؛ وفيما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه
وسلم: "إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ على مَنابِرَ مِن نُورٍ، عن يَمِينِ
الرَّحْمَنِ عزَّ وجلَّ - وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ - الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في
حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا" (الراوي: عبد الله بن عمرو؛ المصدر:
صحيح مسلم)؛ وفيما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "سَبْعَةٌ
يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا
ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ
ذَكَرَ اللَّهَ في خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في
المَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ
ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إلى نَفْسِهَا، قالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ
تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما صَنَعَتْ
يَمِينُهُ" (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح ابن حيان) فمن أقام العدل وهو
مؤمن فهو على منابر من نور يوم القيامة، وإن كان إمامًا عادلًا فهو ممن سيظلهم
الله يوم القيامة. فمكانة من يقيم العدل احترامٌ وتقدير الناس في الدنيا، وعلى
منابر من نور على يمين الله يوم القيامة، وممن يستظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا
ظله..".
.png)
تعليقات