السيدة
"ليا" هي زوج سيدنا أيوب عليه السلام. وسيدنا أيوب نبي
من انبياء الله من سلالة سيدنا إبراهم أبو الأنبياء، أبوه "موص"، حفيد
"العيص" بن إسحاق بن سيدنا إبراهيم عليهم السلام.
اختلف في اسمها، ففريق من العلماء يقول بأن إسمها "رحمة"،
مدلل على قوله بما ذكر في قول الله سبحانه وتعالى: "فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ
فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ
رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ٨٤" (سورة الانبياء: 84)؛ وفريق
آخر يقول أن اسمها "ليا"، نَقْلِ أعن هْلِ
الْكِتَابِ. وكلا القولين مِمَّا لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ.
كان سيدنا أيوب عليه السلام ممن آتاه الله مالا وولدا. فقد
أوتي الكثير من المال والدواب والأرض والعبيد. و وهبه الله من زوجته "ليا" عددًا
من الأولاد والبنات. فكان من الأغنياء سواء بين الناس أو بين الأنبياء. ولكن ثبات
الحال من المحال، ففقد ما كان يملك من المال والدواب والأرض والعبيد، وابتلي بموت
أبناءه جميعًا. ولم يتوقف الابتلاء على فقد المال والأبناء، بل امتد إلى صحته فأصيب
بمرض عضال، أتي على كل جسمه، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما
الله عز وجل في ليله ونهاره، وصباحه ومسائه صابرا محتسبا.
وطال مرض سيدنا أيوب، حتى تفرق عنه قومه فلم يبق له جليس ولا
ونيس
لم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته "ليا" التي أخلصت له ووقفت إلى جواره فى محنته حين نزل به
البلاء، واشتد به المرض الذى طال سنين عديدة، كانت صابرة لم تُظْهِر تأفُّفًا أو
ضجرًا، بل كانت متماسكة طائعة، تاركة أنصع الآثار في دنيا النساء الفضليات. لقد
ارتقت "ليا"
في مقام الصدق مكانة سامقة، وتبوءت في منازل الأبرار منزلة
عالية؛ حيث عاشت مع زوجها في بلاءه الذي امتدت قرابة ثماني عشرة سنة، مثلا للمرأة
البارة و الزوجة الصابرة المخلصة الوفية الراضية بحكم الله وقضاءه.
ومع استمرار البلاء الذي حل بسيدنا أيوب، ضعُف حال "ليا"
وقلَّ مالها، فخرجت تخدم الناس بالأجر لتطعم زوجها وتقيم
أوده، رضي الله عنها وأرضاها، فعلت ذلك وهي صابرة لا تتبرم مما حل بها من ضياع
المال وفراق العيال، ومصيبة زوجها، وضيق ذات اليد، وهوان حالها، بعد أن كانت تعيش
في اليسر والسعة، وترفل في النعيم الذي وهبه الله إياه.
سألت «ليا» نبي الله أيوب: يا أيوب. لو دعوت ربك لفرج عنك.
فقال لها الصابر المحتسب: لقد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهل قليل على الله أن أصبر له
سبعين سنة أخرى؟ لم يشكو نبي الله أيوب بلاءه لاحد، ولم تيأس زوجته "ليا"
من رحمة الله. بدأت الحياة تضيق خناقها على "ليا"، فقد أعرض الناس عن طلب خدمتها في بيوتهم خوفًا من أن تنقل إليهم مرض زوجها، فينالهم ما ناله من بلاء.
ولم اشتدت به الأزمة، وضاقت بها سبل العيش، ولم تجد سبيل
إلى مال حلالا تشترى به طعامًا لأيوب، فقد اوصدت في وجها أبواب قومه، قصت إحدى
ضفيرتيها، وباعتها لإحدى بنات الأشراف وابتاعت بثمنها طعامًا طيبًا قدمته لأيوب.
فسألها: من أين لك هذا؟.. فقالت: إنه من مال اكتسبته نظير خدمتها أناسًا.
فلما كان اليوم التالي، لم تجد أحدًا يستخدمها فباعت
ضفيرتها الثانية واشترت بثمنها طعامًا، فأتت به أيوب، فأقسم ألا يأكله حتى تخبره
من أين لها بهذا الطعام. هنا لم تجد "ليا" بدا من قول الحقيقة، فكشفت عن رأسها، فلما رأى أيوب رأسها محلوقًا،
أقسم ليضربها مائة سوط لكذبها عليه.
وفي يوم من الأيام جاء صديقان من أصدقاء سيدنا أيوب لزيارته،
فلما رأي ما به من شدة الابتلاء، قال أحدهما لصاحبه: لو علم الله من أيوب خيرًا ما
ابتلاه بهذا البلاء العظيم. جزع سيدنا أيوب مما سمع من أحد اصدقائه، واشتد كربه،
لا لما به من بلاء ولكن لظن الناس أن ما حل به هو عقابًا من الله، فقال يدعو ربه: "وَأَيُّوبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(سورة الأنبياء، الآية 83). فيستجب الله له: "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ" (سورة الأنبياء، الآية
84). وجه الاستجابة هنا أن الله أوحى لعبده الصابر أن يضرب الأرض برجله فنبعت عين
ماء بارد بإذن الله، فأمره الله بأن يغتسل منها ويشرب.
ولما لم تجده ليا حيث تركته، ذهبت تبحث عنه لتأخذه إلى
مكانه، فوجدت نبي الله في أحسن صورة وأبهى طلعة، فلم يساورها شك في أنه ليس بزوجها
العليل، فسألته؟ يا عبد الله. هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ ثم تفرست وجهه تقول:
والله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذا كان صحيحًا، فقال لها أيوب
عليه السلام: فإني أنا هو يا "ليا".
رد الله على سيدنا أيوب عافيته وصحته وماله وأهله، وأمره
سبحانه بأن يوفي قسمه بأن يضرب زوجته مائة سوط. وأوحى إليه الله بأن يأخذ ملء الكف من
الشجر أو الحشيش، في يمينه، يشتمل على مائة عود صغار، ويضربها به ضربة واحدة
(تفسير البغوي) فيكون ذلك بمثابة مائة سوط، فيبر بقسمه ولا يحنث، ويرحم
الله امرأته الصابرة الأمينة ليخفف عنها ألم الجلد" "وَخُذْ بِيَدِكَ
ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ
الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (سورة ص: 44). ثم يهبه الله اهله ومثلهم معهم: "فَٱسۡتَجَبۡنَا
لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم
مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ٨٤ (سورة الأنبياء، الآية 84) وهو أن الله تعالى رد إليه أهله وأولاده
فأحياهم، وأعطاه مثلهم معهم رحمة وعظة
وعبرة للعابدين؛ ليعلموا بذلك كمال قدرة الله (البغوي)..

تعليقات