خزيمة بن ثابت الأوسي ذو الشهادتين، كنيته أبي عمارة. والده ثابت بن الفاكه، وأمه كبشة بنت
أوس الساعدية. وهبه الله من الأبناء عمـارة وعمرو وهما من الرواة عن عن النبي صلى
الله عليه وسلم، وعبد
الرحمن ومحمد (آخر أبناءه).
خزيمة بن ثابت من الأشراف
في الأوس قبل الإسلام وبعده، ومن الشجعان المقدمين، شهد غزوة بدر وما بعدهما من
المشاهد كلها. كان يحمل راية الأوس من بني خطمة في يوم فتح مكة، عاش إلى زمن خلافة
علي بن أبي طالب، وشهد واقعتي الجمل وصفين ولم يقرر القتال إلى أن قُتل عمار بن
ياسر، فكان ممن سمعوا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم يقول: "تَقْتُلُ
عَمَّارًا الفِئَةُ الباغِيَةُ، فسلّ سيفه رضي الله عنه وقاتل إلى أن قُتل في
السنة السابعة والثلاثين للهجرة.
لُقّب خزيمة بذي الشهادتين بسبب شهادته مع النبي محمد -صلّى الله
عليه وسلّم- فجعَل رسول الله شهادته بشهادة رجلين. فقد روي عن عم عمارة بن خزيمة
أنه قال: " أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ
وسلَّمَ ، ابتاعَ فَرسًا مِن أعرابيٍّ، فاستَتبعَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ
وسلَّمَ ليَقضيَهُ ثمنَ فرسِهِ، فأسرَعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ
وسلَّمَ المشيَ وأبطأَ الأعرابيُّ، فطفِقَ رجالٌ يعتَرِضونَ الأَعرابيَّ،
فيُساومونَهُ بالفَرسِ ولا يشعُرونَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
ابتاعَهُ، فَنادى الأَعرابيُّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فَقالَ:
إن كُنتَ مُبتاعًا هذا الفَرَسِ وإلَّا بعتُهُ ؟ فقامَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ
عليهِ وسلَّمَ حينَ سَمعَ نداءَ الأعرابيِّ، فقالَ: أو لَيسَ قدِ ابتعتُهُ منكَ ؟
فقالَ الْأعرابيُّ: لا، واللَّهِ ما بعتُكَهُ، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ
عليهِ وسلَّمَ: بلَى، قدِ ابتعتُهُ مِنكَ فطفقَ الأعرابيُّ، يقولُ هلُمَّ شَهيدًا،
فَقالَ خُزَيْمةُ بنُ ثابتٍ: أَنا أشهدُ أنَّكَ قَد بايعتَهُ، فَأقبلَ النَّبيُّ
صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على خُزَيْمةَ فقالَ: بِمَ تشهَدُ ؟، فقالَ:
بتَصديقِكَ يا رَسولَ اللَّهِ فجَعلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
شَهادةَ خُزَيْمةَ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ " (المصدر : صحيح أبي داود المصدر : صحيح أبي داود؛
خلاصة حكم المحدث (الالباني) : صحيح).
جُعلت شهادته رضي الله عنه بشهادة رجلين لأنَّ شهادته بُنيت على
التّصديق العام للنبي -صلّى الله عليه وسلّم، وهذا من أصول الإيمان به، فاعتُبرت
شهادته هذه تصديقاً خاصاً مدرجًا تحت التصديق العام، فلا يقال بأنَّ تكريمه بهذا
اللقب كان بشهادته لشيء لم يحدث، فهذا القول قول ليس صحيحاً، يقول ابن القيم:
"جعل النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ،
لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ الْعَامِّ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ
اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَانْفَرَدَ
خُزَيْمَةُ بِشَهَادَتِهِ لَهُ بِعَقْدِ التَّبَايُعِ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ،
دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِدُخُولِ هَذَا الْخَبَرِ فِي جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ
الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ فِيهَا، وَتَصْدِيقُهُ فِيهَا
مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى،
وَقَدْ قَبِلَهَا مِنْهُ وَحْدَهُ، وقال أيضاً: شَهَادَةُ خُزَيْمَةَ قَدْ
جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَتَيْنِ
دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهَذَا لِمُخَصِّصٍ اقْتَضَاهُ،
وَهُوَ مُبَادَرَتُهُ دُونَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى الشَّهَادَةِ
لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يقول زيد بن ثابت لما كلفني خليفة المؤمنين سيدنا أبو بكر بجمع
القرأن، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب (جريد النخل) واللخاف (اللِّخاف فهي حجارة
رقيقة بيضاء) وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم
أجدها مع أحد غيره: "لَقَدۡ جَآءَكُمۡ
رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ
رَءُوفٞ رَّحِيمٞ١٢٨ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا
هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ١٢٩" (سورةالتوبة).
فكانت الصحف عند سيدنا أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم
عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه.
وَقَدْ قَبِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ شَهَادَتَهُ وَحْدَهُ،
وَهِيَ خَاصَّةٌ لَهُ". فقبول الصحابة لروايته لها، وإجماعهم على قرآنيتها
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حتى خاتمة براءة)، وتصديقهم بقول
الله سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ
وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ٩ (سورة الحجر)ـ وإدخالها في
المصحف المتفق عليه: دليل شرعي كاف على أنها من القرآن الكريم بدون شك ولا تردد.
كان زيد بن ثابت يعتمد في جمع القرآن على مصادرتين رئيسيتين: ما كان
مكتوبًا على العُسُب واللِخاف والأديم (الجلد المدبوغ) والقراطيس (الصحف أو
الأوراق)، وما كان محفوظًا في صدور الرجال. وقد وضع منهجًا دقيقًا اعتمد على التثبت من كل آية
بأن تُقدم من مصدرين، أحدهما محفوظ في صدور الرجال والآخر مكتوب، ولم يقبل آية حتى
يشهد له شاهدان عدلان بصحتها، إلا في حالة شهادة خزيمة بن ثابت الذي اعتبرت شهادته
شهادة رجلين استثنى آيتين من سورة التوبة وجدهما عند خزيمة بن ثابت وحده، لأنه جعل
النبي ﷺ شهادته شهادة رجلين، فقبلها زيد وكتبها.

تعليقات