الصحابي الجليل أبَيّ بن كعب كاتب الوحي الأول، كان أقريء أمة رسول
الله. وكان وفقيه، وروي للحديث النبوي. يرجع نسبه إلى الأنصار من بني معاوية بن
عمرو بن مالك بن النجار من الخزرج. أبوه قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن
مالك بن النجار، و أمه صهيلة بنت النجار. أولاده الطفيل، محمد، عبد الله، وأم
عمرو. أما الطفيل ومحمد فكانت أمهما أم الطفيل بنت الطفيل بن عمرو الدوسي، بينما
لم يُذكر اسم والدة عبد الله وأم عمرو.
أسلم أبي بن كعب، وشهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار.
ولما هاجر النبي، آخى بينه وبين طلحة بن عبيد الله، وقيل بينه وبين سعيد بن زيد. شهد
مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، أي: الغزوات كلها. جمع القرآن، وعرضه
على النبي ﷺ في حياته، وكان أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن في حياة النبي ﷺ.
بعد وفاة سيدنا رسول الله ﷺ
تفرغ أبي بن كعب للعبادة، إلى أن وجد حاجة الناس إليه، فترك العبادة وجلس ليُعلّم
الناس. كان من العلماء الأفذاذ، فقد قال فيه مسروق بن الأجدع: انتهى علم الصحابة
إلى ستة: عمر وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وابن مسعود، ثم انتهى علم
الستة إلى علي وابن مسعود. كما قال فيه معمر بن راشد: عامة علم ابن عباس من ثلاثة:
عمر، وعلي، وأبي.
و روى أنس عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أرحمُ
أمَّتي بأمَّتي : أبو بَكْرٍ ، وأشدُّهم في أَمرِ اللَّهِ عُمرُ ، وأصدقُهُم حياءً
عثمانُ ، وأقرؤُهُم لِكِتابِ اللَّهِ أبيُّ بنُ كعبٍ، وأفرَضُهُم
زيدُ بنُ ثابتٍ، وأعلمُهُم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ ألا وإنَّ لِكُلِّ
أمَّةٍ أمينًا وإنَّ أمينَ هذِهِ الأمَّةِ: أبو عُبَيْدةَ بنُ الجرَّاحِ (المصدر :
صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث : صحيح). وقال عمرو بن العاص: «كنت عند رسول الله
ﷺ في يوم عيد، فقال: "ادعوا لي سيد الأنصار". فدعوا أبي بن كعب، فقال:
«يا أبي، ائت بقيع المصلى (مكان مصلى العيد)، فأمر بكنسه».
كان عمر بن الخطاب يُجل أبيًّا، ويتأدب معه، ويتحاكم إليه. وقد روى
عن عمر بن الخطاب قوله: أقضانا علي، وأقرؤنا أبي، وإنا لندع من قراءة أبي، وهو
يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله تعالى: "مَا نَنْسَخْ
مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ
تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (سورة البقرة: 106). كما
رُوي أنه طلب رجل حاجة إلى عمر، وإلى جنبه رجل أبيض الثياب والشعر، فقال الشيخ: إن
الدنيا فيها بلاغنا، وزادنا إلى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة.
فسأل الرجل: من هذا يا أمير المؤمنين؟، قال: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب. وحين عقد
مؤتمر سيدنا عمر في الجابية بعد معركة اليرموك (منطقة تاريخية في سوريا تسمى الآن
بـ "تل الجابية" وتقع غرب مدينة نوى في سهل حوران، وقد اتخذها الغساسنة
عاصمة لهم.)، قال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل
عن الفرائض فليأت زيدًا، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذًا، ومن أراد أن
يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله جعلني خازنًا وقاسمًا. ورُوي أن أبيًا بن كعب قال
لعمر بن الخطاب: «مالك لا تستعملني؟»، قال: أكره أن يدنس دينك.
كان أبي بن كعب ممن يُحسنون الكتابة من العرب في الجاهلية قبل
الإسلام، وكانوا معدودين. فاختاره سيدنا رسول الله ﷺ ليكون كاتب الوحي الأول من
الأنصار. جمع أبي بن كعب القرآن في حياة سيدنا رسول الله ﷺ وعرضه عليه. روى عبد
الله بن عمرو أنه قال: ذُكِرَ عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عبدِ اللَّهِ بنِ
عَمْرٍو، فَقالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لا أزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: خُذُوا القُرْآنَ مِن أرْبَعَةٍ مِن عبدِ اللَّهِ بنِ
مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ به -، وسَالِمٍ، مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، ومُعَاذِ بنِ
جَبَلٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ (المصدر : صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث : صحيح). وروي
عن أنس بن مالك أنه قال: قالَ
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِأُبَيٍّ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ
أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ، قالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قالَ:
اللَّهُ سَمَّاكَ لي. فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي، قالَ قَتَادَةُ: فَأُنْبِئْتُ
أنَّهُ قَرَأَ عليه: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} (المصدر : صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث : صحيح). وقال أيضًا: "جَمَع
القُرْآنَ علَى عَهْدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ
مِنَ الأنْصَارِ: أُبَيٌّ، ومُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وأَبُو زَيْدٍ، وزَيْدُ بنُ
ثَابِتٍ. قُلتُ لأنَسٍ: مَن أبو زَيْدٍ؟ قالَ: أحَدُ عُمُومَتِي (المصدر : صحيح
البخاري؛ خلاصة حكم المحدث : صحيح).
كان أبي بن كعب سيد القراء، ومرجعاً رئيساً في فهمه وتدوينه. فهو
كاتب الوحي الأولى، وهو من أمرَ اللَّهَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهَ القُرْآنَ. اهتم أبي بن
كعب بالقرآن اهتمامه بالحديث يتجلى من خلال سؤال سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم عن
تفاصيل معينة، مثل وسبب نزوله، وهل كانتا المعوذتان من القرآن. كما سأل عن سبب عدم
حضور بعض الصحابة لصلاة الفجر، وتفاصيل حول صلاة الجماعة، وعن قصة "نعم، الله
سمّاني لك" عندما أمر النبي بقراءة سورة البينة عليه. حدث عنه بنوه محمد،
والطفيل ، وعبد الله وجمع كثير من الصحابة منهم: أنس بن مالك، وابن عباس، وسعيد بن
المسيب، وسهل بن سعد، وآخرون .
كان يتميز عن غيرة من رواة الحديث بمرجعية في القرآن و أخذه العلم
مباشرة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودقته واهتمامه بالتفاصيل حتى يطبق
على علم ودراية، كما ذكرنا أنفا. كان يشدد على أهمية سماع الحديث من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ويؤكد على ضرورة نقل الحديث بأمانة. روى عنه "بقي بن مخلد"
مائة وأربعة وستون حديثا، منها في البخاري ومسلم ثلاثة أحاديث ، وانفرد البخاري
بثلاثه، ومسلم بسبعة. كان له أيضا اسهامات كثيرة في الفقه والتفسير، مما يؤكد على
مكانته في نشر العلم.
.توفي في المدينة في سنة 30 هـ، وقد شهد عتي بن ضمرة (شخصية تاريخية
ثقة، قليل الحديث، روى عن أبي بن كعب وغيره، وينتمي إلى قبيلة بني تميم) يوم
وفاته، فقال: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم، فقلت: ما شأن هؤلاء؟، فقال بعضهم:
ما أنت من أهل البلد؟!، قلت: لا، قال: فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين، أبي بن كعب.

تعليقات