الاعتدال هو:
"التوسط بين التبذير و الإسراف والبخل والإمساك"، وهو كذلك:
"التوسط بين الحد المسموح به في الإنفاق وبين البخل". و الإسراف
هو:"تجاوز الحد في كلِّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق
أشهر"، (الراغب الأصفهاني). وقال الشريف الجرجاني: "الإسراف: هو إنفاق
المال الكثير في الغرض الخسيس. وقيل تجاوز الحدِّ في النفقة، وقيل: أن يأكل الرجل
ما لا يحلُّ له، أو يأكل مما يحل له فوق الاعتدال، ومقدار الحاجة"، وقيل:
الإسراف تجاوز في الكمية، فهو جهل بمقادير الحقوق".
ويعني الإسراف
أن الإنسان يبالغ في ما أباحه الله وفوق ما يحتاج، كأن يقوم شخص بملء طبقه من
أصناف من الأطعمة دون أن يكون محتاج إليها جميعا، ونرى ذلك في البوفيهات المفتوحة
التي تكون عادة في الأعراس والعزومات والحفلات واللقاءات العامة. وهذا هو الأسرف
في شيء مباح أي الطعام؛ لأنه قد يأكل فقط نصف هذا الطبق والباقي سيرميه. أما
التبذير، فهو أن يصرف المال في ما حرم الله، كأن يشتري من المحرمات، مثل الخمر.
وحرم الإسلام التبذير ونعت فاعليه بأنهم أخوان للشياطين. والبذخ هو الإفْراطُ
والإنْفاقُ الكَثيرُ والافْتِخارُ. فالبذخ، إسراف مع تفاحر وتعالٍ.
تعد قيمة
الاعتدال في الإنفاق من أبرز القيم الاقتصادية التي تميَّز بها النظام الاقتصادي
في الإسلام؛ لذا جاء في وصف الله العباد المنتسبين للرحمن والمقربين إليه سبحانه
وتعالى: "وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ
وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَاما٦٧" (سورة الفرقان : 67)، أي: كان بين الإسراف
والتقتير عدلاً ووسطاً. ويرشد القرآن المسلمين بالكف عن امسك اليد عن النفقة في
الحق، فتضحى أيديهم كأنها مغلولة، أي: تعجزوا عن مدها، وفي الوقت ذاته ينهي القرآن
عن التبذير، أي: تعطي جميع ما عندك ولو بالحق؛ لأنه سيلومك الذين لهم حق النفقة
عليك، وستكون نادماً على ما فرط، كما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: "وَلَا
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا" (سورة الإسراء: 29). أما الإسراف والتبذير
فقد نهى الله عنه في قول الله سبحانه وتعالى: "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا
إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا" (سورة
الإسراء: 27). ونهى الإسلام أيضا عن التفاوت الشديد في الثروة والدخول بقوله
تعالى:"كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ" (سورة
الحشر: 7). ويعتبر الإسلام أن أساس الثروة والغنى هو العمل، كما في قول الله
سبحانه وتعالى "وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ"
(سورة النحل: 71)؛ وفي قوله: "وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" (سورة الأحقاف: 19).
فالتفاوت بين الناس في الرزق والمعيشة يقوم على قدر ما يبذلونه من جهد وعمل صالح
وصدق الله سبحانه وتعالى إذ يقول: "وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا
سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى"
(سورة النجم: 39-41).
وحثت السنة
النبوية عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالتَّرْشِيدِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنَ
الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كُلوا
واشرَبوا وتَصدَّقوا والْبَسوا ما لم يخالِطْهُ إسرافٌ أو مَخيَلةٌ"،
(الراوي: عبدالله بن عمرو:المصدر: صحيح ابن ماجه)، ويرشد هذا الحديث المسلمين إلى
أن يكون انفاق المال في الأكل والشرب والبس والتصدق قَوَامًا بَيْنَ رُتْبَتَيِ
الْبُخْلِ وَالتَّبْذِيرِ، وَبِذَلِكَ تستقيم الْأُمُورُ. ونهي النبي ﷺ عَنْ
إِضَاعَةِ الْمَالِ في قوله: "إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، ويَكْرَهُ
لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أنْ تَعْبُدُوهُ، ولا تُشْرِكُوا به شيئًا،
وأَنْ تَعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، ويَكْرَهُ لَكُمْ:
قيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضاعَةِ المالِ. وفي رواية: مِثْلَهُ، غيرَ
أنَّه قالَ: ويَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، ولَمْ يَذْكُرْ: ولا تَفَرَّقُوا"،
(الراوي: أبو هُرَيْرَةَ؛ المصدر: صحيح مسلم)، ويحث هذا الحديث على الِاعْتِدَالِ
فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنَ التَّبْذِيرِ.

تعليقات