الحب هو:"مجموعة متنوعة من المشاعر الإيجابيَّة والحالات العاطفية والعقلية قوية التأثير". وبعرف الحب أيضا بأنه: "مجموعة من المشاعر المعقدة التي تنتج عنها
العديد من التصرّفات والأفكار المنسوجة بعواطفٍ قويّة تحكم المرء وتُسيطر على
كيانه وإحساسه، فتجعله يرغب بحمايّة الشخص أو الشيء الذي يُحبّه، ويشعر بمودّةٍ
وألفة وعطفٍ كبيرا تجاهه، فيحترمه ويُحافظ عليه ويُراعي مشاعره ويرغب بإسعاده
وحمايته من أي تهديدٍ أو خطر قد يُلحق الضرر به بأيّ شكلٍ، وهو لا يقتصر على حبّ
البشر لبعضهم فقط، فقد يُحب المرء حيواناً أليفاً ويُقدّم له العناية والرعاية
والعطف ويسعى لحمايته والحفاظ عليه، أو أن يرتبط بحب شعور داخليّ خاص كالحريّة
والاستقلاليّة والكيان والشخصيّة، أو حب الذات على سبيل المثال".
يعبر الحب عن الفضائل الإنسانيَّة التي تتمثَّل بالتعامل الحسن ومشاعر الإيثار والغيريَّة والعمل على سعادة الآخرين وتحقيق الخير العام. وتتنوع مشاعر الحب بين أسمى الأخلاق والجيد من العادات اليوميَّة. وهذا التنوع يظهر في الاختلاف بين حب الأم أو الأخت، وحب الزوج، وحب طعام أو شراب أو لوحة فنية، أومجموعة تشكيلية أو أثر من
أثار الأمم الفانية. وقد حدَّد فلاسفة الإغريق خمسة أنواع من الحب: حب العائلة، وحب الصديق، والحب الرومانسي، وحب الضيف، وحب الإله، فيما ميَّز مؤلِّفون معاصرون أنواعاً أخرى من الحب مثل: الحب دون مقابل، والحب إلى درجة الوله والافتتان، وحب الذات، وحب التملُّق. وهناك أيضا حب المبادئ والأهداف وهو حب غير الشخصي ناتج عن قناعات دينيَّة وسياسيَّة وفكرية قوية.
الحب فطرة إنسانية، وقد يكون نعمة أو نقمة على المحب.
فإن كان في إطار ما أحل الله فهو الخير كل الخير، وإن كان في ما نهى الله عنه فهو
الشر كل الشر. وللحب صور مختلفة ومتعددة في القرأن الكريم. من هذه الصور حب الله
لعباده الذين يتخلقوا بصفات عظيمة، مثل: الإحسان، والتقوى، والتطهر، والتوبة،
والقسط، والصبر، والتوكل، والجهاد في سبيله، فالله: "يُحِبُّ
الْـمُحْسِنِينَ" (سورة البقرة: 195)، "ويُحِبُّ الْـمُتَّقِينَ"
(آل عمران: 76)، و"وَيُحِبُّ الْـمُتَطَهِّرِينَ" (سورة البقرة: ٢٢٢)،
و"يُحِبُّ التَّوَّابِينَ" (سورة البقرة: ٢٢٢) ، و"يحِبُّ
الْـمُقْسِطِينَ" (سورة الممتحنة: ٨)، و"يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (سورة
آل عمران: 146)، و"يُحِبُّ الْـمُتَوَكِّلِينَ" (سورة آل عمران: 59)،
و"يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ
مَّرْصُوصٌ" (سورة الصف: ٤). وحب الله لذوات بعينها فيصيرها محبوبة بين
الناس، ومن هذا الحب حب الله لسيدنا موسى عليه السلام، في قول الله سبحانه وتعالى:
"قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ٣٦ وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ
مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ٣٧ إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ٣٨ أَنِ
ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ
بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّ لِّي وَعَدُوّ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ
مَحَبَّة مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ٣٩" (سورة طه: 36 - 39). وحب
من يتبعون الرسول؛ لاتباعهم طريق الهدى والحق، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى:
"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (سورة أل
عمران: 31)؛ ولتقديمهم محبة رسول الله على
محبة أي شيء في قوله: "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا
وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ
مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ
اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (سورة
التوبة: 24). والمؤمنون الصادقون يحبون الله حب المتذوقين لحلاوة الإيمان، وحب
المستمتعين بعظيم فضله، وجميل عفوه، وسعة رحمته وذلك في قوله:"الَّذِينَ
آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ" (سورة البقرة: 165). ويبين القرآن أن
الأسرة الصالحة دعامتها الأساسية حب الزوج وزوجه، وذلك في قول الله سبحانه
وتعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً
لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" (سورة الروم:
21)؛ وحب الام لأبنائها، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى:"وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ
أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا
عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ١٠" (سورة القصص: 10). ومن
صور المحبة الاخرى في القرآن محبة الأنصار لإخوانهم المهاجرين، محبة تجلَّت قولاً
وعملاً، في قول الله تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ
مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي
صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ" (سورة الحشر: ٩)؛ ومحبة النفع: كمحبة شيء يُنتفع به
وهو أمر يسري على كل ما يحبه الإنسان أو يُحبَّبُ إليه من أمور الدين والدنيا،
وأعظم ما حُبِّبَ إليه الإيمان: "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ
الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ" (سورة الحجرات: ٧). وأشدُّ أنواع الحب على النفس بلاءً وابتلاءً
حبُّ الشهوات في قوله سبحان وتعالى: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْـمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْـخَيْلِ الْـمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْـحَرْثِ ذَلِكَ
مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا" (سورة آل عمران: 14) ، وقوله:
"وَتُحِبُّونَ الْـمَالَ حُبًّا جَمًّا" (الفجر:
20)، وقوله: "وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْـمَسَاكِينَ" (سورة البقرة: 177) ، وقوله: "وَيُطْعِمُونَ
الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً" (سورة الإنسان:
٨)، وقوله: "فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْـخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي
حَتَّى تَوَارَتْ بِالْـحِجَابِ" (ص: 32)، وقوله "وَإنَّهُ لِـحُبِّ
الْـخَيْرِ لَشَدِيدٌ" (سورة العاديات: ٨). وكما تحدث القرآن عن الحب في
إطاره الشرعي، ذاك الحب الذي يخلق السكينة، ويقوي رابط المودة والرحمة بين
المتحابين؛ فقـد تحدث كذلك عن الحب خارج مؤسسة الزواج، ذاك الحب الذي يغدو نقمة لا
نعمة، فيثير الفساد في النفس وفي الأرض، وفضائح مجتمعية، وذلك في قول الله سبحانه
وتعالى:"وَقَالَ نِسۡوَة فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ
فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰل
مُّبِين٣٠" (سورة يوسف: 30). وحذرت آيات القرآن من بعض جوانب الحب المؤذي،
وهو حب الإنسان لما يجلب له السوء والضرر في دينه ودنياه، قال سبحانه:
"كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡه لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن
تَكۡرَهُواْ شَيۡٔا وَهُوَ خَيۡر لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡٔا
وَهُوَ شَرّ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ٢١٦" (سورة
البقرة: 216).
تناولت السنة
النبوية مشاعر الحب على اختلافها وتنوُّعها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل صور الحب المثل
والقدوة. فقد زكت السنة النبوية حب الرجل لزوجه رحمة ووفاء، وذلك في قول أم
المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها: "ما غِرْتُ علَى أحَدٍ مِن
نِسَاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما غِرْتُ علَى خَدِيجَةَ، وما
رَأَيْتُهَا، ولَكِنْ كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُكْثِرُ
ذِكْرَهَا، ورُبَّما ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً، ثُمَّ
يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّما قُلتُ له: كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ
في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلَّا خَدِيجَةُ، فيَقولُ: إنَّهَا كَانَتْ، وكَانَتْ،
وكانَ لي منها ولَدٌ"، (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر: صحيح البخاري)؛ وحب الأخ لأخية ما يحب لنفسه في قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما
يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"، (الراوي: أنس بن مالك ؛ المصدر: صحيح البخاري)؛ وحب
المؤمنين بعضهم بعضا في الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والَّذي
نفسي بيدِه لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا أولا أدلُّكم
علَى شيءٍ إذا فعلتُموهُ تحاببتُم أفشوا السَّلامَ بينَكم"، (الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح ابن ماجه). ونهت السنة النبوية عن لعن المؤمن
للمؤمن ولو كان عاصيا لعدم علمنا مدى حب العاصي لله ورسوله وذلك في قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "أنَّ رَجُلًا علَى عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ كانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وكانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وكانَ يُضْحِكُ
رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ قدْ جَلَدَهُ في الشَّرَابِ، فَأُتِيَ به يَوْمًا فأمَرَ به فَجُلِدَ،
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العنْه، ما أكْثَرَ ما يُؤْتَى بهِ؟
فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تَلْعَنُوهُ، فَو اللَّهِ ما عَلِمْتُ إنَّه يُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ"،
(الراوي: عمر بن الخطاب؛
المصدر: صحيح البخاري). وحثت السنة النبوية المؤمنين على إعلان الحب بين المؤمنين بعضهم
البعض لبناء مجتمع متماسك في قول صلى الله عليه وسلم: "إذا أحبَّ أحدُكمْ
صاحِبَه فلْيأْتِه في مَنزِلِه، فلْيُخبِرْه أنَّهُ يُحِبُّه لله"، (الراوي:
أبو ذر الغفاري؛ المصدر: الجامع الصغير), وان النكاح هو خيرا كل الخير للمتحابين
وهو رباط العفة الذي احله الله وذلك فيما يروى عن سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم
أنه: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عندنا يتيمة وقد خطبها
رجل معدم ورجل موسر وهي تهوى المعدم ونحن نهوى الموسر فقال صلى الله عليه وسلم: لم
ير للمتحابين مثل النكاح" (الراوي: ابن عباس؛ المصدر:سنن ابن ماجه)، أي أن لا
علاج للمتحابين إلا أن يقترنا شرعيا بالزواج.

تعليقات