الانفتاح على
الآخر هو: "القدرة على رؤية الأشياء من وجهات نظر مختلفة وعدم التسرع في
الحكم، والاستعداد للاستماع إلى الآخرين والتعاطف معهم والاستعداد لتعلم أشياء
جديدة منهم لا تتناقض مع هوية المنفتح على الأخر الثقافية أو العقائدية". أو
هي: "الاستعداد النفسي والعقلي للنظر فيما عند الآخر المغاير في الفكر
والإيديولوجيا: من أفكار وخبرات والاستفادة منها بعد قراءتها قراءة نقدية فاحصة
بشكل يحافظ على الهوية الثقافية والمرتكزات العقائدية".
الانفتاح على
الأخر لا يعني الاعتقاد في أفكاره ولا التأثر بثقافته. فالاعتقاد في ثقافة الأخر
يؤدي إلى اختلاط الأفكار مع بعضها وضياع الافكار الأصلية. ولنا في المسلمين الأوائل
المثل والعبرة. فالمسلمين الأوائل جعلوا عقيدتهم أساس ثقافتهم، وكانوا يدرسون
الثقافات غير الإسلامية للانتفاع بها دون التأثر. فلم يتأثر التفسير والحديث
والفقه، مطلقا بالثقافات غير الإسلامية، فالشريعة الإسلامية تجب جميع ما قبلها من
الشرائع. كذلك لم تتأثر اللغة العربية باللغات والثقافات الأخرى في البلاد
المفتوحة، وبقيت لغة الدولة، والثقافة والعلم والسياسة. أما الفكر البشري (الأنظمة
البشرية)، فيرى المسلمون الأوائل الاستفادة منه بالموازين الربانية، دون اختلاط
ولا امتزاج بينه وبين الفكر الإسلامي؛ لاستحالة قبول امتزاج صنعة الله مع صنعة
البشر. فقد يرى البعض في زمننا هذا تقارب أو اشتراكا ظاهريا بين الإسلام
والديمقراطية من جهة، والإسلام والاشتراكية من جهة أخرى. وينسى هذا البعض أن النظام
الإسلامي يقوم علي قاعدة أن المعبود هو الله، والمشرع هو الله؛ وأن الأنظمة
البشرية تقوم على أن المعبود هو آلهة أخرى مع الله أو من دونه والمشرع هو البشر.
وقصور التشريعات البشرية سببه قصور العلم والإحاطة واتباع الهوى وحب الشهوات.
لم يرد مصطلح
الانفتاح على الأخر بذاته في القرآن الكريم، ولكن هناك نصوص قرآنية تتضمن الأنفتاح
على الأخر والاستفادة في إطار ضوابط إيمانية. فها هو سيدنا موسى عليه السلام وهو
نبي الله وقد أوتي من العلم الكثير، لم يجد غضاضة من تحصيل العلم والمعرفة من
العبد الصالح، في قول الله سبحانه وتعالى: "فَوَجَدَا عَبۡدا مِّنۡ
عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَة مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا
عِلۡما قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمۡتَ رُشۡدا٦٦" (سورة الكهف: 65-66). الأكثر من هذا أن القرآن حثنا على
الاستفادة من الأخر والتعلم منه حتى لو كان حيوانا، طالما هناك مصلحة وتبادل
منفعة، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى:"فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابا يَبۡحَثُ
فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ
يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ
سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ٣١" (سورة المائدة: 31). من
الجدير بالذكر أن كثير من الاكتشافات الحديثة نشأ من التعلم ممن حولنا من
المخلوقات.والانفتاح على الأخر أخذ وعطاء، ومن نماذج العطاء للأخر في القرآن
الكريم قول الله: "ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ
وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ
عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ١٢٥" (سورة النحل: 125)، لم
تقتصر الآية على الدعوة للعطاء بل بينت الاساليب التي يجب أن نسلكها في انفتاحا
ودعوتنا للأخر بالحكمة والموعظة الحسنة، أي: أحسن أساليب الحوار واجوادها. وإن كنا
في جدال مع الأخر أن تكون مجادلتنا له بإيجاد قواسم مشتركة معه، كما في قوله
سبحانه وتعالى :"قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَة سَوَآءِۢ
بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ
شَيۡا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن
تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ٦٤ " (سورة آل عمرات: 64)، وتحث
آيات القرآن أيضا أن يكون حوارا مع
الأخر هادف ومتكافيء دون تسلط أو قهر في تقبل ما نعطية من أفكار، كما في قول الله
سبحانه وتعالى: "وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ
فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ
سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآء كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي
ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا٢٩" (سورة الكهف: 29)؛
وقوله "لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ
ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ
بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ٢٥٦" (سورة البقرة: 256).
وردت أحاديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم تشجع الإنسان المسلم على طلب العلم من أي مصدر كان وفي
أي اتجاه طالما في إطار الضوابط الشرعية، وذلك في قوله: "اطلُبوا العلمَ ولو بالصِّينِ ، فإنَّ طلبَ العلمِ
فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ"، (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: الموضوعات لابن الجوزي)، وقوله: "الحكمةُ ضالةُ المؤمنِ
حيثما وجدها فهو أحقُّ بها"، (الراوي:
أبو هريرة؛ المصدر: تهذيب التهذيب). والضالة هي الشيء الذي يفقده الإنسان فيبحث
عنه بأشد ما يتصور في الطلب، كما يطلب المؤمن ضالته. وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من زيد ابن ثابت تعلم لغة الأخر؛ ليتمكن من
معرفة ما لديه ومحاورته وأخذ الحيطة والحذر منه، وذلك فيما ورد عنه أنه قال:"أمرَني
رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أن أتعلَّمَ لَهُ كتابِ يَهودَ قالَ
إنِّي واللَّهِ ما آمَنُ يَهودَ علَى كتابي ، قالَ: فما مرَّ بي نِصفُ شَهْرٍ
حتَّى تعلَّمتُهُ لَهُ، قالَ: فلمَّا تَعلَّمتُهُ كانَ إذا كتبَ إلى يَهودَ كتبتُ
إليهِم، وإذا كتَبوا إليهِ قرأتُ لَهُ كتابَهُم" (الراوي: زيد بن ثابت؛ المصدر: صحيح الترمذي)، ولم يكن هذا الطلب إلا بعد أن تمكن من اللغة العربية، وحفظ
القرآن. واستفادة النبي صلى الله عليه وسلم من اسرى بدر في محو أمية عدد من
المسلمين دليل على الانفتاح والاستفادة من الأخر حتى وإن كان على غير الملة، طالما
يعود علي المسلمين بالنفع ولا يخالف عقيدتهم، وذلك فيما ورد عن أن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال:" كان ناسٌ من الأسرى يومَ بدرٍ لم يكن لهم فداءٌ فجعل
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فداءَهم أنْ يُعَلِّمُوا أولادَ الأنصار الكتابة
قال: فجاء يومًا غلامٌ يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنُك قال: ضربني مُعلِّمي قال:
الخبيثُ يطلبُ بِذَحْلِ (بثأر) بدرٍ واللهِ لا تأتيه أبدًا"، (الراوي: عبدالله بن عباس؛ المصدر: تخريج المسند لشاكر). كما أن النبي صلى الله عليه وسلم فضل
المؤمن الذي يتفاعل مع الناس اجتماعيا ويصبر على أذاهم على المسلم المنكفأ على
ذاته والمتقوقع على نفسه، في قوله: "المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ و يَصبِرُ
على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على
أذاهُمْ"، (الراوي: عبدالله بن عمر؛ المصدر: صحيح الجامع).

تعليقات