جعفر
بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي المشهور بـجعفر الطيار، وذي الجناحين، ابن عم الرسول محمد صلى
الله عليه وسلم، وأخو علي بن أبي
طالب لأبويه، وكان أسن من علي
بعشر سنين. أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية القرشية. أسلمت
وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت بها. زوجته أسماء بنت عميس، ولدت له بالحبشة عبد الله، وعوناً، ومحمداً. عبد الله ولد عام 1هـ بالحبشة، وهو
أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، ومحمد ولد عام
2هـ،واستشهد في صفين عام 37ه، وعون ولد
عام 3هـ ،
واستشهد في واقعة الطف.
أسلم
جعفر بن أبي طالب قبل أن يدخل الرسول محمدٌ دار الأرقم
ويدعو
فيها، فقد أسلم بعد
إسلام أخيه علي بقليل، وهو أحد السّابقين
إلى الإسلام، فقد أسلم بعد
خمسة وعشرين رجلاً، وقيل أسلم بعد
واحد وثلاثين إنساناً، فكان هو الثاني والثلاثين. هاجر
مع جماعة من المسلمين إلى الحبشة، ومكثوا
فيها عند ملكها النجاشي. هاجر
جعفر إلى المدينة
المنورة يوم فتح خيبر، فكانت له
هجرتان: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وآخى الرسولُ بينه وبين معاذ بن جبل الخزرجي
الأنصاري.
شهد جعفر بن أبي طالب غزوة مؤتة
التي
دارت رحاها في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة
بين
المسلمين والروم، وقد
أمَّره الرسولُ محمدٌ على جيش المسلمين في حال أصيب قائدهم الأول زيد بن حارثة، إذ قال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي
طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس. فتجهز الناس ثم
تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودَّع الناسُ أمراءَ الرسول
وسلموا عليهم.
ثم
مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغ الناسَ أن هرقل قد نزل مآب من
أرض البلقاء، في مائة ألف من
الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي، مائة ألف منهم. فلما
بلغ ذلك المسلمين أقاموا على
معان ليلتين يفكرون في أمرهم
وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن
يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فشجع عبدُ الله بن رواحة الناس وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة،
وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا
الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: قد
والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس.
مضى
المسلمون، حتى إذا كانوا بتخوم
البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى
البلقاء يقال لها "مشارف"، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال
لها مؤتة، فالتقى الناس
عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة يقال له قطبة بن
قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من
الأنصار يقال له عباية بن مالك
(ويقال عبادة بن مالك). ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة
براية
الرسولِ حتى شاط في رماح القوم، أي سال دمه فمات.
ثم
أخذ جعفر الراية فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء (أي رمى
بنفسه عنها)، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر
في الإسلام، ومعنى عقرها:
أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف، وذلك مخافة أن يأخذها العدوُّ فيقاتلَ عليها
المسلمين. قال السهيلي: لم يعب ذلك عليه أحد، فدل
على جوازه إذا خيف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين. فلم يدخل هذا في باب
النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثاً.
ورُوي
أن جعفر بن أبي طالب قد أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه
بعضديه حتى قُتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقيل كان عمره إحدى وأربعين سنة، وقيل غير ذلك. ويؤمن المسلمون
أن الله تعالى قد أثابه بذلك جناحين في
الجنة يطير بهما حيث شاء، فقد قال الرسولُ محمدٌ: رأيتُ جعفَرَ بنَ أبِي طالِبٍ
مَلَكًا يَطيرُ في الجنةِ مع الملائِكةِ بِجناحَيْنِ (الراوي : أبو هريرة؛ المصدر
: الجامع الصغير؛ خلاصة حكم المحدث (السيوطي) : صحيح). ورُوي ابن عمر
أنه اخبره: أنَّه وقَفَ علَى جَعْفَرٍ يَومَئذٍ، وهو قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ به
خَمْسِينَ، بيْنَ طَعْنَةٍ وضَرْبَةٍ، ليسَ منها شيءٌ في دُبُرِهِ يَعْنِي في
ظَهْرِهِ(الراوي: نافع مولى ابن عمر؛ المصدر: صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث
(البخاري) : صحيح).
توفي
جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة، ودفن على أرض الأردن في بلدة المزار الجنوبي. ويقع مقامه في
الأعمال الإدارية لبلدية مؤتة والمزار في الأردن جنوب مدينة الكرك
بنحو
10 كيلومترات، وعلى بُعد كيلومتر واحد إلى الشرق من الشارع العام المؤدي إلى بلدة
المزار في حرم مسجد جعفر بن أبي طالب الكبير. وتاريخ الموقع يعود إلى عصر الأيوبيين والمماليك، حيث قاموا
ببناء الضريح والقبة، ومن بعدهم
العثمانيون الذين اهتموا بهذا المزار،
فبنوا القباب وغطوا الأضرحة ببلاطات رخامية.
وبعدما قُتل حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد. روي علي بن أبي طالب: أنَّ ابنةَ حمزةَ تبِعَتهم تُنادي:
يا عمُّ، يا عَمُّ، فتَناولَها عليٌّ فأخذَ بيدِها وقالَ لفاطمةَ: دونَكِ ابنةَ
عمِّكِ فحوِّليها، فاختَصمَ فيها عليٌّ وزيدٌ وجعفرٌ فقالَ عليٌّ: أَنا أخذتُها
وَهيَ ابنةُ عمِّي، وقالَ جَعفرٌ: ابنةُ عمِّي وخالتُها تحتي. وقالَ زيدٌ: ابنةُ
أخي. فقَضى بِها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لخالتِها، وقالَ:
الخالَةُ بمنزلةِ الأمِّ ثمَّ قالَ لعليٍّ : أنتَ منِّي ، وأَنا مِنكَ وقالَ
لجعفرٍ: أشبَهْتَ خَلقي وخُلُقي وقالَ لزيدٍ: أنتَ أخونا ومَولانا فقالَ لَهُ
عليٌّ رضي اللَّهُ عنهُ : يا رسولَ اللَّهِ ، ألا تَزوَّجُ ابنةَ حمزةَ ؟ فقالَ :
إنَّها ابنةُ أخي منَ الرَّضاعةِ (المصدر : تخريج المسند لشاكر؛ خلاصة حكم المحدث
(أجمد شاكر): إسناده صحيح).
وقد
كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويُحسن إليهم ويخدمهم، حتى سُمي أبا المساكين، فعن أبي هريرة أنه قال: - كُنْتُ ألْزَمُ
النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِشِبَعِ بَطْنِي، حِينَ لا آكُلُ الخَمِيرَ
ولَا ألْبَسُ الحَرِيرَ، ولَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ ولَا فُلَانَةُ، وأُلْصِقُ
بَطْنِي بالحَصْبَاءِ، وأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ، وهي مَعِي، كَيْ
يَنْقَلِبَ بي فيُطْعِمَنِي، وخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بنُ أبِي
طَالِبٍ، يَنْقَلِبُ بنَا فيُطْعِمُنَا ما كانَ في بَيْتِهِ، حتَّى إنْ كانَ
لَيُخْرِجُ إلَيْنَا العُكَّةَ ليسَ فِيهَا شيءٌ، فَنَشْتَقُّهَا فَنَلْعَقُ ما
فِيهَا (المصدر: صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث (البخاري): إسناده صحيح).

تعليقات