التواضع هو: "أنك لا تعتقد أنك أفضل من
الآخرين، وانك تقبل النقد بمثل ما تقبل المدح سواء بسواء وأنك لا تتفاخر ولا تتكبر
لكونك تملك الكثير من المال أو لكونك صاحب جاه أو سلطان".
التواضع تواضعان: تَّواضُع محمود، وتواضع مذموم.
والتَّواضُع المحمود نوعان: تواضع العبد عند أمر الله امتثالًا، وعند نهيه
اجتنابًا؛ وتواضع العبد لعظمة رَّبه وجلاله وخضوعه لعزَّته وكبريائه. والتَّواضُع المذموم هو
المهانة، أي: الدَّناءة والخِسَّة، وبذل النَّفس وابتذالها في نيل حظوظها
وشهواتها، كتواضع السِّفَل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب
كلِّ حظٍّ لمن يرجو نيل حظِّه منه، فهذا كلُّه ضِعَةٌ لا تواضع (الدرر السنية).
لم ترد كلمة التواضع بلفظها في القرآن الكريم،
إنّما وردت كلمات تشير إليها وتدل عليها، منها: قول اللهُ سبحانه وتعالى:
"وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنا وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰما" (سورة الفرقان:
63)؛ وقوله سبحانه وتعالى: "وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ
فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَال فَخُور١٨" (سورة
لقمان: 18)؛ وقوله سبحانه وتعالى: "لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا
مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ
جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ" (سورة الحجر: 88)؛ وقوله: "فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"،
(سورة آل عمران: 159).
وقد حفلت السنة النبوية بالعديد من الأحاديث التي
تدعو للتواضع والحث عليه، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة مِن
مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه
الله"، (الراوي: ابو هريرة ؛ المصدر: صحيح مسلم)؛ ومنها قوله: "إنّ الله
أوحَى إليَّ أنْ تواضعوا حتى لا يَفْخَر أحد على أحد ولا يَبغي أحد على أحد"
(الراوي: عياض ابن حمار؛ المصدر: صحيح مسلم). للتواضع مواضع عدة: امتثال العبد لما
أمر الله به وما نهىً؛ وتواضع العبد لجلال الله وعظمته وعزته وكبرياءه؛ وتواضعه في
اللباس والمشية؛ وتواضعه مع من هو أفضل منهم موقع ومكانة، فالنبي صلى الله عليه
وسلم وهو خير البشر كان ينقل التراب في يوم الأحزاب تواضعا كما يروي البراء:
"انَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَومَ الأحْزَابِ يَنْقُلُ
معنَا التُّرَابَ، وَلقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهو يقولُ:
وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا... إنَّ الأُلَى قدْ أَبَوْا عَلَيْنَا قالَ:
وَرُبَّما قالَ: إنَّ المَلَا قدْ أَبَوْا عَلَيْنَا... إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً
أَبيْنَا وَيَرْفَعُ بهَا صَوْتَهُ. وفي روايةٍ: سَمِعْتُ البَرَاءَ، فَذَكَرَ
مِثْلَهُ، إلَّا أنَّهُ قالَ: إنَّ الأُلَى قدْ بَغَوْا عَلَيْنَا" (الراوي:
البراء ابن عامر؛ المصدر: صحيح مسلم)؛ وتواضعه في التعامل مع الزوجة وإعانتها،
ففيما روي عن السيدة عائشة عندما سئلت عن ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته أنها قالت:
"انَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ - فَإِذَا
حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ" (الراوي: السيدة عائشة؛ المصدر:
صحيح البخاري)، وتواضعه مع الصغار وممازحتهم، فعن أنس بن مالك أنه قال: "كان
النبي ﷺ أحسنَ الناس خلُقاً، وكان لي أخ يقال له «أبو عمير» قال: أحسبه فطيماً
وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النغير" (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر:
صحيح مسلم)؛ وتواضعه مع الخدم والعبيد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ
قال: "إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو
لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه وليَ حرَّه وعلاجَه" (الراوي: أبو هريرة؛
المصدر: السلسلة الصحيحة). يوجه هذا الحديث المخدوم أن يجالس خادِمِه ليَأكُلَ معه
مِن الطَّعامِ الذي أعدَّهُ الخادم، فإنْ لم يُجلِسْه معه لعُذْرٍ كقِلَّةِ
طَعامٍ، أو لكونِ نفْسِه تَعافُ ذلك قَهْرًا عليه ويَخْشى مِن إكراهِها مَحذورًا
أو لغيرِ ذلك كمَحبَّتِه للاختصاصِ بالنَّفيسِ، أو لكونِ الخادمِ يَكرَهُ ذلك
حَياءً منه أو تَأدُّبًا فعَليه أنْ يُطعِمَه مِن الطَّعامِ. وعلل النبي صلى الله
عليه وسلم الأمرَ بإطعامِ الخادمِ بأنَّ الخادم هو من وَلِيَ الطعام وعِلاجَه، أي:
أعَدَّه وجهَّزه، وتَحمَّلَ مَشقَّةَ حَرِّهِ ودُخَانِه عندَ الطَّبْخِ، وشَمَّ
رائحتَه وتَعلَّقَت به نفْسُه (الدرر السنية).

تعليقات