أبو زيد النحوي سعيد بنُ أوس بن ثابت بن بشير المعروف بأبي زيد
الأنصاري، أحد أئمة الأدب واللغة، عربيٌّ أصيل النسب من قبيلة الخزرج من المدنية المنورة. أبوه أوس من رجال
الحديث الثقاة المأمونون، وأمه فاطمة بنت نعجة بن مليح الخزاعية. من بيت كريم واصل
شريف فجده الأعلى ثابت بن زيد، أحد من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولقد ذكرنا سيرته العطرة انفا.
نشأ سعيد بنُ أوس (أبو زيد الأنصاري) على تعلم القرآن وحفظ الحديث
ورواية الشعر والأدب برفقة النضر بن شميل وأبو محمد اليزيدي والأصمعي. وقد تلقى
الثلاثة علمهم عن أعراب مضر: عقيل وقشير. أكمل سعيد بنُ أوس تحصيله العلمي في القراءات
والتفسير والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب بالمسجد الجامع بالبصرة، الذي كان
يموج بالعلم و اساطين العلماء في علوم القرأن والحديث و الأدب واللغة. فالمسجد
الجامع بالبصرة كان منارة العلم في زمانه، فكان معينا لا ينضب من المعرفة، ومعلما
باسقا من معالم العلم.
بعد أن علي شأن أبو زيد الأنصاري في الأدب واللغة، تصدّر للشرح وللتدريس
في فروعهما المختلفة، و ذاع صيته، فسمع منه كبار العلماء في الأدب واللغة مثل: ابن
اليزيدي وسيبويه وابن السكيت والرياشي والبزاز وخلف الأحمر والجاحظ. وروى عنه أبو
عثمان المازني النحوي وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، ومحمد بن سعد الكاتب وأبو حاتم
السجستاني وأبو حاتم الرازي، وجمع غفير من أهل العلم واللغة والأدب العظام.
يقول المبرد أن أبا زيد الأنصاري كان أعلم رفاقه الثلاثة بالنحو: الأصمعي
وأبو عبيدة وأبو زيد. ويوضح أن أبا زيد كان له حلقة علمية في البصرة، وكان من أهم
اللغويين فيها، وكان سيبويه يثق برواياته كثيرًا. وقال أبو عثمان المازني: رأيت
الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد، فقبل رأسه وجلس بين يديه وقال: أنت رئيسنا
وسيدنا. وهكذا كان الأصمعي يبجله
ويحترمه. وقال عنه السيوطي: أحفظ الناس للغة بعد أبي مالك وأوسعهم رواية وأكثرهم
أخذاً عن البادية.
كان أبو زيد الأنصاري وقوراً محترماً و بلغ مرتبة عالية في مجالات
اللغة والأدب في العصر العباسي الأول.
أثرى أبو زيد الأنصاري المكتبة العربيةَ بخمسين مؤلفاً في مختلف فروع
اللغة في عصره؛ منها رسائل لغوية، ومنها ما يتصل بعلوم القرآن والحديث واللغة
والأدب. كان عطائه متدفق، وانتاجه العلمي مدرارا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل
على مجهود كبير وعمل دائب. للأسف، ولسوؤ الحظ، فقدت كثيرا من كتبه، وأصبح لا يعرف
منها إلا اسمائها، ونذرا يسيره منها حفظتها كتب الطبقات والرجال والفهارس. من كتب أبو
زيد الأنصاري: الإبل والشاه، والتثليت، وخلق الإنسان، والصفات، وفعلت وأفعلت، واللامات
كتاب اللغات، والمصادر، والقضيب (يتناول غريب اللغة والنوادر)، و الوحوش و الفرق و
غريب الأسماء و اللبن، وبيوتات العرب. وله في النبات
كتاباً حسناً جمع فيه أشياء غريبة.
ويعتبر كتاب النّوادر من
أشهر كتب أبو زيد الأنصاري. فالكتاب يعّد أصلاً أصيلا من أصول المؤلفات اللغوية،
ومرجعاً يفيد الباحثين اللغوين أعظم وأجل فائدة. فقد وصف الأزهري كتاب النوادر
بأنه: كتاب جامع للغرائب الكثيرة والألفاظ النادرة، والأمثال السائرة، والفوائد
الجمّة. فقد سجل أبو زيد الأنصاري في كتاب النوادر شرحاً لغوياً للشعر العربي
القديم، بيّن المعاني الدقيقة للألفاظ، وتتبَّع الروايات الموثقة. وتوجَّه للإعراب
ولبيان أوجه الصرف وبعض أمور البلاغة، مستعرضاً تفسير بعض الآيات والأحاديث
ومورداً مقطعات شعرية مختارة، مبرزاً أخبار شعرائها وأنسابهم وما سمعه من فصحاء
العرب على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم. والكتاب بهذه المزايا يعدُّ مصدراً مهماً
لدراسة لهجات القبائل العربية وخصائصها.
في الدراسات القرآنية لأبي زيد
الأنصاري كتاب معاني القرآن و لغة القرآن و قراءة أبي عمرو. وفي غير الدراسات
القرآنية لـه كتاب غريب الحديث، والبيان، وتخفيف الهمز، والجمع والتثنية، والمقتضب
والهمز، والأمثال.
يذكر ابن الجزري عن أبي زيد الأنصاري أنه وُلد سنة اثنتين وعشرين
ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك، وتوفي في البصرة سنة خمس عشرة ومئتين، مما يجعله
من المعمَّرين (ابن الجزري).

تعليقات