الجمال لغة
هو: "الحسن في الخلق والفعل" (لسان العرب)، والجمال اصطلحا: "حسن
الشيء ونضرته وكماله على وجه يليق به".
من معانٍي
الجمال أو الحسن وضاءة البشرة، وجمال الأنف، وصباحة الوجه، ورشاقة القد، وملاحة
الفم، وحلاوة العينين، ولباقة الشمائل، وظرف اللسان (كتاب فقه اللغة للثعالبي).
ومن سمات
الجمال السلامة من العيوب: فكل شيء جميل، يدرك جماله وحسنه بسلامته من العيوب،
وخلوه من أي خلل ونقص: "أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ
كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج" (سورة ق: 6)؛
والتناسق والتنظيم: وهو سمة أخرى للجمال تقوم أساسا على التقدير والضبط والإحكام
وتحديد نسب الأشياء بعضها إلى بعض، في الحجم والشكل واللون والحركة والصوت:
"ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدا
وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيك فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡء فَقَدَّرَهُۥ
تَقۡدِيرا٢" (سورة الفرقان: 2). يضاف إلى هاتان السمتين سمت ثالثة إذا تعلق
الامر بجمال الكون الفسيح هي: النص والتعيين: ليس كل جمال في الكون، يمكن أن يدركه
الإنسان، دون أن يوحى إليه بهذا الجمال، فعقل الإنسان أعجز عن أن يحيط بهذا الكون
الفسيح. ولكون الإنسان عاجز عن إدرك جمال شيء من الأشياء، فهذا بسبب محدودية عقل
الإنسان وعجزه عن إدراك وجه الجمال في هذا الشيء. ومن الأمثالة على ذلك مجال
الجمال المعنوي، فلولا أن تم النص عليه والتعيين بالوحي، لظل مجهولا للإنسان دهرا
طويلا (كتاب “القيم الإسلامية”).
تتعد صور
الجمال المادية والمعنوية في القرآن الكريم. ومن صور الجمال المادية حسن النساء
وجمالهن في قول الله سبحانه وتعالى: "لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ
بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰج وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ
إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء
رَّقِيبا٥٢" (سورة الأحزاب: 52)؛ وجمال سمات الإنسان في قول الله سبحانه
وتعالى: "ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارا وَٱلسَّمَآءَ
بِنَآء وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ" (سورة غافر 64)، وفي قوله: "لَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"(سورة التين: 4)، وقوله:
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ٦ ٱلَّذِي
خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ٧ فِيٓ أَيِّ صُورَة مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ٨
"(سورة الإنفطار: 6-8)؛ وجمال خلق الحيوانات بألونها المختلفة وصورها السوية
التي تبعث السرور في النفس البشرية، في قوله سبحانه وتعالى: "وَٱلۡأَنۡعَٰمَ
خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡء وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ٥ وَلَكُمۡ
فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ")سورة: النحل 5-6(؛ وفي قوله سبحانه وتعالى: "قَالُواْ ٱدۡعُ
لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا
بَقَرَة صَفۡرَآءُ فَاقِع لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ٦٩"(سورة البقرة:
69)، ومن صور الجمال المادية أيضا جمال الطبيعية بكل ما تحتويه من أرض وسماء،
وإنسان وحيوان، ونبات وجماد، في قوله سبحانه وتعالى: "إِنَّ فِي خَلۡقِ
ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ
ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ
مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآء فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّة وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ
بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰت لِّقَوۡم يَعۡقِلُونَ٤" (سورة
البقرة: 164)؛ وجمال جزءا من أجزاء الطبيعة، وما به من جمال تصريحا أو تلميحا في
قوله سبحانه وتعالى: "أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ
كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج٦" (سورة ق: 6).
ومن صور
الجمال المعنوية منها الصبر الجميل وما فيه من مجاهدة النفس وحملها على تحمل
الهموم والأجزان، كما في قول الله سبحانه وتعالى: "وَجَآءُو عَلَىٰ
قَمِيصِهِۦ بِدَم كَذِب قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡراۖ فَصَبۡر
جَمِيل وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ١٨" (سورة يوسف: 18)؛
والصفح الجميل، أي: مقابلة الإساءات بالعفو والصفح، كما في قوله سبحانه وتعالى:
"وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا
بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَة فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ٨"
(سورة الحجر: 85). أما في الأخرة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت فيحدثنا الله سبحانه
وتعالى عن ما يحدثه نعيم الجنة من لذة للأعين التي تراه، في قوله سبحانه وتعالى:
"يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَاف مِّن ذَهَب وَأَكۡوَابۖ وَفِيهَا مَا
تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ٧١"
(سورة الزخرف: 71).
تحث السنة
النبوية المسلم أن يكون جميل في مظهره ومخبره، فالجمال صفة من الصفات الإلهية
الثابتة، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن
كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ
أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ
يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ (أي: رفضُ الحقِّ والبُعدُ عنه
تَرفُّعًا وتَجبُّرًا أو التجبَّرَ عندَ الحقِّ، فلا يَرى حقًّا)، وغَمْطُ
النَّاسِ (أيِ: احتِقارُهم وازدِراؤُهم)" (الراوي: عبدالله بن مسعود؛
والمصدر: صحيح مسلم). وتربط السنة النبوية بين طيب البدن، وطيب الروح، وطيب
الرائحة، وطيب الخلق في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَغْتَسِلُ
رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِن
دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ
اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ،
إلَّا غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى" (الراوي: سلمان
الفارسي؛ المصدر: صحيح البخاري). وتلفتنا السنة النبوية إلى أن ابهي صور الجمال
سرور الزوج بزوجته الصالحة، في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لمَّا
نزلت هذه الآيةُ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قال كبُر ذلك على
المسلمين فقال عمرُ رضي اللهُ عنه أنا أُفرِّجُ عنكم فانطلق فقال يا نبيَّ اللهِ
إنَّه كبُر على أصحابِك هذه الآيةُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّ
اللهَ لم يفرِضِ الزَّكاةَ إلَّا ليُطيِّبَ ما بقي من أموالِكم وإنَّما فرض
المواريثَ لتكونَ لمن بعدكم فكبَّر عمرُ ثمَّ قال له ألا أُخبِرُك بخيرِ ما يكنِزُ
المرءُ المرأةُ الصَّالحةُ إذا نظر إليها سرَّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها
حفِظته"، (الراوي: عبدالله بن عباس؛ المصدر: ضعيف أبي داو). يوضح هذا الحديث
أن كل شيء جماله وحسنه كامن في مقومات جماله اللائق به، الممكن له. فإذا كانت كل
مقومات جمال الشيء حاضرة فيه فهو في غاية الجمال، وإن كان الحاضر بعضها فله من
الحسن والجمال بقدر ما حضر

تعليقات