سالم مولى أبو حذيفة اسمه الأصلي هو سالم بن معقل
أو عبيد بن ربيعة، صحابي جليل من المهاجرين، شهد المشاهد كلها مع سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم. وشارك في حروب الردة. وكان من بين القراء الذين استشهدوا في
معركة اليمامة.
كان سالم عبدًا فارسيًا لصحابية جليلة من الأنصار
تُدعى ثبيتة بنت يعار الأوسية، وقد أعتقت ثبيتة سالمًا، ثم تبناه أبو حذيفة بن
عتبة. فوالى سالم أبي حذيفة بن عتبة الذي
أحبّه وتبنّاه، وزوّجه من ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة .
عاش سالم في كنف أبيه بالتبني أبي حذيفة، حتى نزل
قوله تعالى: "ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ
لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 5" (سورة الأحزاب:5) بتحريم
التبنّي. بعد التحريم. روي عن السيدة عائشة أنها قالت: أنَّ سالمًا - مولَى أبي
حذيفةَ - كان مع أبي حذيفةَ وأهلِه في بيتِهم، فأتت بنتُ سُهَيلٍ (زوجة أبي حذيفة)
إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقالت: إنَّ سالمًا قد بلغ ما يبلُغُ
الرِّجالُ، وعقل ما عقلوه، وإنَّه يدخُلُ علينا، وإنِّي أظنُّ في نفسِ أبي
حُذَيفةَ من ذلك شيئًا ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرضعيه تحرُمي
عليه، فأرضعته، فذهب الَّذي في نفسِ أبي حُذَيفةَ، فرجعتُ إليه فقلتُ: إنِّي قد
أرضعتُه، فذهب الَّذي في نفسِ أبي حُذيفةَ! (المصدر : صحيح النسائي؛ خلاصة حكم
المحدث (الألباني): صحيح). ولم يكن سالم
بالنسبة لأبي حذيفة وأهله مجرد شخص أو حليف يعيش معهم في بيتهم، بل كان يعد واحدا
منهم، وابنا لهم، إذ كان أبو حذيفة قد تبناه في الجاهلية، واعتبر ابنا له سنين
عددا، حتى أبطل الإسلام التبني، وقد بينت ذلك أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها
ـ في رواية لها عند البخاري والبرقاني وأبي داود والبهيقي وغيرهم.
وقد روي عن أم سلمة زوجة النبي محمد صلى الله
عليه وسلم أنها قالت: "أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ
عليه وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عليهنَّ أَحَدًا بتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ
لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ ما نَرَى هذا إلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسولُ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَما هو بدَاخِلٍ عَلَيْنَا
أَحَدٌ بهذِه الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا" (المصدر: صحيح مسلم؛ خلاصة حكم
المحدث (مسلم): صحيح).
وقد استُدِلَّ بقولِ وفِعلِ سائرِ أزواجِ
النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنَّ رَضاعَ الكبيرِ لا يُعتبَرُ، ولا
يُعوَّلُ عليه، ولا يَثبُتُ به تَحريمٌ، وأنَّ الرَّضاعَ إنَّما يكونُ في
الصِّغَرِ، وما حصَلَ في قصَّةِ سالمٍ فإنَّه يكونُ قصَّةَ عيْنٍ خاصَّةً به، لا
تَتعدَّاهُ إلى غيرِه، وقدْ أكَّد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنْ ليس كلُّ رَضاعٍ
مُحرِّمًا؛ فقدْ ورَدَ في الصَّحيحينِ قولُه: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّمَ وعِندِي رَجُلٌ، قالَ: يا عَائِشَةُ، مَن هذا؟ قُلتُ: أخِي
مِنَ الرَّضَاعَةِ، قالَ: يا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ مَن إخْوَانُكُنَّ؛ فإنَّما
الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ (الراوي : عائشة أم المؤمنين؛ المصدر : صحيح
البخاري؛ خلاصة حكم المحدث (البخاري): صحيح). وفي هذا الحديثِ تُخبِرُ أمُّ
المؤمنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
دخَلَ عليها ورَأى عِندها رجلًا -لم يُذكَرِ اسْمُه، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ ابنًا
لأبي القُعَيسِ- فسَأَلها: مَن هذا الرَّجلُ؟ فأخْبَرَتْه أنَّه أخُوها مِن
الرَّضاعةِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "انْظُرْنَ مَن إِخْوانُكنَّ؛
فإنَّما الرَّضاعَةُ مِن المَجاعَةِ"، أي: تَحقَّقْنَ صِحَّةَ الرَّضاعَةِ
ووَقْتَها؛ فليس كلُّ مَن أُرضِعَ لَبَنَ أُمَّهاتِكنَّ يَصيرُ أخاكنَّ؛ فإنَّما
تَثبُتُ الحُرمَةُ إذا وقَعَت على شَرْطِها وفي وقْتِها، وإنَّ حُرمَةَ الرَّضاعِ
إنَّما هي في الصَّغِير في الحَولَين الأوَّلَين حينَ تَسُدُّ الرَّضاعَةُ
المَجاعَةَ، لا حينَ يكونُ الغِذاءُ بغيرِ الرَّضاعِ في حالِ الكِبَرِ، كما قال
تَعالى: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ
لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ" [البقرة: 233] ، فهذا حَدُّ
الرَّضاعةِ الَّتِي يكون منها التَّحريمُ، وهي عامانِ، فما زاد عن ذلك، أو كان
بعدَ أنِ استَغنَى الطِّفلُ عن الرَّضاعةِ؛ فلا يُعَدُّ رَضاعًا مؤثِّرًا في
التَّحريمِ. وفي الحديثِ: مَشروعيَّةُ دُخولِ الأخِ مِن الرَّضاعِ على أُختِه،
والخَلْوةِ بها.
كان سالم حريصًا على حفظ القرآن، حتى أنه كان
يُقدّم للإمامة في الصلاة على المهاجرين في قباء قبل قدوم النبي محمد صلى الله
عليه وسلم إلى يثرب، لأنه كان أقرأهم للقرآن. وقد كان سالم حسن الصوت حسن القراءة،
وقد أثنى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على قراءته، في حديث نبوي رواه إبراهيم عن
مسروق عن عبد الله بن عمرو عن النبي محمد، أنه قال: «استقرئوا القرآن من أربعة،
ابن مسعود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل (لراوي : عبدالله
بن عمرو؛ المصدر : صحيح مسلم؛ خلاصة حكم المحدث (مسلم) : صحيح).
شارك سالم مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في
الغزوات كلها. وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وارتداد بعض القبائل، شارك
سالم في حروب الردة. وفي سنة 12 هـ في معركة اليمامة التي وقعت في خلافة أبو بكر
الصديق، كان سالم صاحب راية المهاجرين. لما اشتدت المعركة، انتكست قوات المسلمين
في البداية، وتراجعوا. فزع سالم من ذلك، وصاح في المسلمين: ما هكذا كنا نفعل مع
رسول الله ﷺ، وحفر لنفسه حفرة، وثبت فيها يذُبُّ عن الراية حتى قُتل. وقد وُجد
سالم يومها هو ومولاه أبو حذيفة صرعى، رأس أحدهما عند رجلي الآخر.

تعليقات