عبد الرّحمن بن عوف الزهري القرشي. قُتِل أبوه
عوَف بالغُمَيْصاء، قتله بنو جَذِيْمَة. يجتمع نَسَب عبد الرحمن بن عوف مع نَسَب
النبي في كِلاب بن مُرّة، وينسب إلى زُهْرة بن كِلاب، وبنو زهرة هم أخوال النبي،
فيُقال: القُرَشيّ الزُّهْريّ. أمه: الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة
بن كلاب. أشقاؤه: عبد الله بن عوف، الأسود بن
عوف،
عاتكة بنت عوف، هالة بنت عوف. له زوجات كثيرات أشهرهن: زوجاته: أمّ كلثوم بنت عُتبة بن ربيعة، أمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط، سَهْلَةُ بنت عاصم بن عديّ. وهبه الله الكثير من الأبناء الذكور
و الأناث.
عبد الرّحمن بن عوف هو أحد الصحابة العشرة
المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى
الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده. كان اسمه في الجاهلية عبد
عمرو، وقيل عبد الكعبة، فسماه النبي عبد الرحمن.
وُلد عبد الرّحمن بن عوف بعد عام الفيل بعشر
سنين، وكان إسلامه على يد أبي بكر الصديق، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، ثم
هاجر إلى المدينة، وشارك في جميع الغزوات في العصر النبوي، فشهد غزوة بدر وأحد
والخندق وبيعة الرضوان. كان مقام أَبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير،
وسعد، وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد أَمام رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في
القتال ووراءَه في الصلاة.
في غزوة
أحد كان ممن ثَبت حين ولى النّاس. أُصيب في أحد فانكسرت مقدمة
أسنانه، وجُرِح عشرين جراحة، بعضها في رجله.
أرسله النبي على سرية إلى دومة الجندل (في شعبان
عام 5 ه) ليقاتل بني كلب بعدما فروا من المواجهة. وأوصاه أن يعتم (قام النبي صلى
الله عليه وسلم بتسليم عبد الرحمن عمامة سوداء وأنزلها على كتفيه لتكون قدوة له) و
أن يكبر عند لقاء عدو، والتهليل عند الظهور، والحمد والاستغفار عند الهبوط،
بالإضافة إلى الذكر المستمر لطلب النصر. وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يتزوج ابنة ملكهم إذا فتح الله عليه. قدم
دومة الجندل ومعه جيش من 700 رجل فمكث
ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم ملكهم الأصبغ بْن ثعلبة في اليوم الثالث،
وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام عبد الرحمن بقيتهم بالجزية، وتزوج عبد الرحمن
ابنته تماضر بنت الأصبغ، ثم قدم بها المدينة، فكانت أول كلبية يتزوجها قرشي،
وأنجب منها الفقيه أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
بعد فتح مكة أرسل النبي خالد بن الوليد إِلى بني
جَذِيمة، فقتل فيهم خالدٌ خَطَاءً، فودى النبي القتلى، وأَعطاهم ثمن ما أُخِذ
منهم. وكان بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف والد عبد الرحمن بن
عوف، وقتلوا الفاكه بن المغيرة، عَمَّ خالد، فقال له عبد الرحمن: إِنما قتلتهم
لأَنهم قتلوا عمك. وقال: خالد: إِنما قتلوا أَباك. وأَغلظ في القول، فقال النبي: لا
تَسبُّوا أصحابي فوالَّذي نَفسي بيدِهِ لَو أنَّ أحدَكُم أنفَقَ مثلَ أُحُدٍ
ذَهَبًا ما أدرَكَ مُدَّ أحدِهِم ولا نصيفَه (الراوي : أبو هريرة؛ صحيح ابن ماجه؛ خلاصة
حكم المحدث (الألباني): صحيح).
صلى النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم خلف عبد
الرحمن بن عوف في غزوة تبوك؛ حيث وصل النبي والمسلمون إلى القوم وقد بدأ عبد
الرحمن الصلاة وقام بركعة. فأشار النبي إلى عبد الرحمن بأن يكمل صلاته، ثم صلى
النبيّ والمغيرة بن شعبة ركعةٍ خلفه بعد أن سلّم عبد الرحمن، وبهذا أتمّ النبيّ ما
فاته من الصلاة.
كان عبد الرحمن تاجرًا ثريًا، وكان كريمًا، حيث
تصدَّق في زمن النبي بنصف ماله والبالغ أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفًا، واشترى
خمسمائة فرس للجهاد، ثم اشترى خمسمائة راحلة، وروي أنَّه باع أرضًا له مِن
عُثمانَ بنِ عفَّانَ بأربعينَ ألْفَ دينارٍ، فقَسَمَ في فُقراءِ بَني زُهرةِ، وفي
أُمَّهاتِ المؤمنينَ، وفي ذي الحاجةِ مِن النَّاسِ، قال المِسوَرُ: فدَخَلتُ على
عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها بنَصيبِها مِن ذلك، فقالتْ: مَن أرسَلَ بهذا؟ قُلتُ: عبدُ
الرَّحمنِ، فقالتْ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: لا يَحنُو
عليكنَّ بَعدي إلَّا الصَّابرونَ، سَقى اللهُ عزَّ وجلَّ ابنَ عَوفٍ مِن سَلسبيلِ
الجنَّةِ (الراوي: عائشة أم المؤمنين؛ المصدر : تخريج مشكل الآثار؛ خلاصة حكم
المحدث (شعيب الأرناؤوط) : صحيح)..
لما قدم النبي للمدينة، آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين
عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فعرض عليه سعد أن يناصفه أهله وماله فقال: إني
أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي
أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك،
دلني على السوق»، فدلوه على سوق بني قينقاع، فربح شيئًا من أقط (طعام تقليدي
مصنوع من اللبن المجفف والمحَمَّض) وسمن، وتزوج امرأة من الأنصار، وجاء بعد أيام
وعليه أثر صفرة، فقال له النبي: «مهيم يا عبد الرحمن» يسأله عن أخباره، فقال: «يا
رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار»، قال: «فما سقت فيها؟ (أي: ماذا كان مهرها؟)»
فقال: «وزن نواة من ذهب (مقدارًا صغيرًا من الذهب يُعادل وزن نواة التمر)»، فقال
النبي: «أولِم ولو بشاة». فكان عبد الرحمن يقول: «فلقد رأيتُني ولو رفَعتُ حَجَرًا
رجَوتُ أن أُصيبَ تحته ذَهَبًا أو فِضّة".
كان لعبد الرحمن بن عوف منزلة كبيرة في عهد عمر،
فكان عمر بن الخطاب يستشيره، فلمَّا حدث طاعون عمواس سنة 18 هـ؛ ثم انتشر في بلاد
الشام. كان عمر بن الخطاب يريد أن يذهب للشام وقتها. فنصحه عبد الرحمن بن عوف
بالحديث النبوي: إذا سَمِعْتُمْ بالطَّاعُونِ بأَرْضٍ فلا تَدْخُلُوها، وإذا وقَعَ
بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بها فلا تَخْرُجُوا مِنْها فَقُلتُ: أنْتَ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ
سَعْدًا، ولا يُنْكِرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ (الراوي : أسامة بن زيد؛ المصدر : صحيح
البخاري؛ خلاصة حكم المحدث (البخاري) : صحيح ). فعاد عمر وصحبه إلى المدينة المنورة. ولمَّا
فُتِحَت بلاد فارس سنة 22 هـ، اختلف الصحابة في أخذ الجزية من المجوس، فجاء عبد
الرحمن بن عوف وأخبر عمر أن النبي أخذ الجزية من مجوس هجر، فأخذ عمر بشهادة عبد
الرحمن، فبعث عمر بن الخطاب كاتبا لجزء بن معاوية: "أن انظر مجوس من قبلك
فخذ منهم الجزية، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخذ الجزية من مجوس هجر".
وفي سنة 23 هـ، استُخْلِفَه عمرُ بن الخطّاب على
الحجّ في تلك السنة، فحَجّ عبد الرحمن بالنّاس، وحَجّ مع عمر أيضًا، وهي آخرَ
حجّةٍ حَجّها عمرُ سنة ثلاث وعشرين، وأذِنَ عمر تلك السنة لأزواج النّبيّ في
الحجّ، فَحُمِلْنَ في الهوادج، وبَعَثَ معهنّ عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوف،
فكان عثمان يسير على راحلته أمامهنّ فلا يَدَعُ أحدًا يدنو منّهنّ، وكان عبد
الرّحمن يسير من ورائهنّ على راحلته فلا يدعَ أحدًا يدنو منهنّ، وينزلن مع عمر
كلّ منزل فكان عثمان وعبد الرّحمن ينزلان بهنّ في الشّعاب فَيُقيلانهن في الشّعاب
وينزلان هما في أوّل الشّعب فلا يتركان أحدًا يمُرّ عليهنّ.
في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، كان
عبد الرحمن بن عوف يحظى بمنزلة مشابهة لمنزلته في عهد عمر، ففي عام 24 هـ؛
استُخلِفَه عثمان على الحجّ في تلك السنة، فحجّ عبد الرحمن بالنّاس، وكان عبد
الرحمن زاهدًا في الإمارة، فقد أرسل سعد بن أبي وقاص إلى عبد الرحمن رجلًا وهو
قائم يخطب: "أن ارفع رأسك إلى أمر الناس (أي: ادع إلى نفسك)"، فقال عبد
الرحمن: "ثكلتك أمك، إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس".
وكان عثمان يريد أن يُوصي له بالخلافة من بعده، فلمَّا اشتكى عثمان رعافًا، دعا
كاتبه حمران فقال: "اكتب لعبد
الرحمن العهد من بعدي"، فكتب له، وانطلق حمران إلى عبد الرحمن فقال: "البشرى!"،
قال: "وما ذاك؟" قال: "إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده". فقام
عبد الرحمن يدعو بين القبر والمنبر فقال: "اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا
الأمر، فأمتني قبله". فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى مات.
توفي عبد الرحمن بن عوف سنة 32 هـ في خلافة عثمان
بن عفان، وقيل سنة 31 هـ والأول أشهر، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وَقيل أنه عاش
ثمانيًا وسبعين، وَقيل خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وكان قد أَوصى لمن بقي من أهل
غزوة بدر لكل رجل أَربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأَخذوها، وأَخذها عثمان فيمن
أَخذ: وأَوصى بأَلف فرس في سبيل الله. ودُفِن في البَقِيع، وصلَّى عليه عثمان بن
عفان، ويقال الزبير بن العوام، وكان علي بن أبي طالب يقول في جنازته: "أَذْهَبُ
عَنْكَ ابْنَ عَوْفٍ، فَقَدْ أَدْرَكْتَ صَفْوَهَا وَسَبَقْتَ رَنْقَهَا"،
وكان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته فكان ممسكًا بقائمتي السرير وهو تحته يقول:
"واجبلاه". ورُوِى أنه أُغمي عليه قبل وفاته، ثم أفاق فقال: إِنهُ أَتَانِي مَلَكَانِ فَظَّانِ غَلِيظَانِ، فَقَالَا لِي:
انْطَلِقْ نُخَاصِمْكَ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ، قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ،
فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبَانِ، فَقَالَا: نُحَاكِمُهُ إِلَى الْعَزِيزِ
الْأَمِينِ. قَالَ: خَلِّيَا عَنْهُ فَإِنَّهُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ
السَّعَادَةُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.

تعليقات